وقول عليّ رضي الله عنه الذي ذكره عبد الحسين هذا: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلّى الله عليه وسلّم إليّ: أن لا يحبّني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق) أخرجه مسلم في (صحيحه) (78) - واللفظ له- والإمام أحمد (1/84، 95، 128) ، والترمذي (4/332) ، والنّسائي (8/115-116، 117) ، والحميدي في (المسند) (58) ، وابن أبي شيبة في (المصنف) (12/57) ، والخطيب في (تاريخ بغداد) (14/426) ، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وهو مثل ما سبقه في عدم انفراد عليّ رضي الله عنه به، بل جاء مثله نصًا في الأنصار رضي الله عنهم، وهو ما ترجم به الباب مسلم في (الصحيح) (باب 33) فقال: (باب الدليل على أن حب الأنصار وعليّ رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق) ثم ساق أحاديث الأنصار وأتبعها بحديث عليّ هذا، وكل هذا ينبغي لعبد الحسين أن يكون قد رآه وقرأه لكنه أخفاه كما هي عادته، فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال عن الأنصار أيضًا: (لا يحبّهم إلاّ مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق) أخرجه من حديث البراء رضي الله عنه الإمام أحمد (4/283، 292) ، والبخاري (5/39-40) ومسلم (75) ، والترمذي (4/369) ، والخطيب في (التاريخ) (2/241) . بل قد جعل حبهم علامة الإيمان وآيته، وبغضهم علامة النفاق وآيته، وهو ما لم يكن لغيرهم، فقال صلّى الله عليه وسلّم: (آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) أخرجه من حديث أنس رضي الله عنه الإمام أحمد (3/130، 134، 249) ، والبخاري (1/11) (5/40) ، ومسلم (74) ، والنّسائي (8/116) .
وكل هذا يبين بطلان اختصاص عليّ رضي الله عنه بمثل هذا الفضل، بل شاركه فيها جميع الأنصار، وكذا غيرهم، وإذا تقرر هذا لم يكن في جميع هذه الأحاديث مع صحتها أي دليل على أفضلية عليّ كما يريد عبد الحسين هذا، بل قصارى ما فيها دليل على فضله لا أفضليته رضي الله عنه.
20-حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعليّ: (يا عليّ أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوّك عدوّي وعدوّي عدوّ الله، والويل لمن أبغضك من بعدي) .
أخرجه الحاكم (3/127-128) ، والخطيب في (تاريخ بغداد) (4/41) من طرق عن أبي الأزهر، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس. وقد تقدم ذكره والكلام عليه مفصلًا في الرد على المراجعة (16) وبينا ما فيه من العلة التي تبين وضعه وكذبه، وقد ردّ الذهبي- جزاه الله خيرًا- على الحاكم تصحيحه بقوله: (قلت: هذا وإن كان رواته ثقات فهو منكر ليس ببعيد من الوضع..) .
لكن في قصة يحيى بن معين مع هذا الحديث وراويه أبي الأزهر التي ساقها عبد الحسين هذا في الهامش (18/191-192) تحريف وتلفيق مقصود من قبل هذا الرافضي عبد الحسين، شأنه شأن من اختلق هذا الحديث من الرافضة، وغالب الظن هو ابن أخي معمر فهو رافضي وكان يدخل في كتب عمّه معمر ما ليس من حديثه، وقد ذكرنا ذلك في الرد على المراجعة (16) . ففي الثابت عن ابن معين كما رواه الخطيب في (التاريخ) ، ونقله أيضًا الحافظ في التهذيب وذكرناه في الرد على المراجعة (16) أنه قال: (من هذا الكذاب النيسابوري الذي حدّث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟) وهو كذلك عند الحاكم (3/128) لكنها في هامش المراجعات هنا، (من هذا الكتاب...) وهو تحريف مقصود! وقد دققته مع ثلاث نسخٍ أخرى للمراجعات فوجدته كذلك أيضًا.
وواضح أن القول الثابت عن ابن معين فيه تكذيب صريح لهذا الحديث، وهو ما لاحظ عبد الحسين هذا فعمد إلى تغييره.
وهناك موضع آخر في هامش المراجعات حصل فيه اقتطاع مخلّ وفاحش، ففي آخر هذه القصة قول ابن معين لأبي الأزهر: (أما إنك لست بكذاب، وتعجب من سلامته وقال: الذنب لغيرك في هذا الحديث) .
فهذا تأكيد ابن معين على كذب الحديث، وأنه بعد معرفته لصدق الراوي عن عبد الرزاق لم يتغيّر حكمه بوضع هذا الحديث وكذبه، في حين اكتفى هذا الموسوي في لفظ القصة التي ساقها بقوله: (فصدقه يحيى بن معين واعتذر إليه) موهمًا تصديق ابن معين لهذا الحديث وتصحيحه له، وهذا كله ما نبّهنا عليه في الرد على المراجعة (16) مما فيه من المغالطة والغش في هامشه هذا.
ثم حاول عبد الحسين هذا في ما تبقى من هامشه الإشعار بأن الذهبي وحده قد انفرد بتكذيب هذا الحديث ورده دون شيءٍ قادح- زعم- وهذا باطل من وجهين: