الصفحة 186 من 366

وليس لحنش هذا متابع في هذا الحديث حتى يصار إلى تصحيحه، هذه العلة الأولى المشتركة بين الحديثين، وهناك علة ثانية في إسنادي كلا الحديثين إلى سماك بن حرب وهما بالنسبة للحديث الأول الذي ذكره عبد الحسين هذا عند الإمام أحمد (1/151) الذي فيه التصريح بأخذ الكتاب من أبي بكر ودفعه إلى عليّ- وهو باطل- فقد رواه عن سماك محمد بن جابر بن سيار السحيمي، وهو سيء الحفظ ويخلط كثيرًا، وضعّفه ابن معين، وابن مهدي، والنسائي وغيرهم، وقال أبو زرعة: ساقط الحديث عند أهل العلم، وقال إبن حبّان: (كان أعمى يلحق في كتبه ما ليس من حديثه، ويسرق ما ذوكر به فيحدث به) . وبه أعل الحديث الهيثمي - على تساهله- في (المجمع) (7/29) . وذكر هذا الحديث الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5/38) وقال: (وهذا ضعيف الإسناد، ومتنه فيه نكارة، والله أعلم) .

أما بالنسبة للحديث الثاني الذي ذكره عبد الحسين هذا وعزاه للإمام أحمد في مسنده (1/150) ، فبالإضافة إلى علة ضعف حنش بن المعتز السابق الذكر ففيه علة أخرى أيضًا في إسناده إلى سماك، وهي وجود عمرو بن حماد القنّاد، ومع أنه صدوق إلاّ أنه رمي بالرفض، كما قال الحافظ في التقريب، فلا تؤتمن روايته في مثل هذا الحديث لما عنده من بدعة الرفض، وقد قدمنا ذلك غير مرة، وانظر من كتابنا هذا أثناء الرد على المراجعة (12) . وشيخ عمرو هذا هو أسباط بن نصر، الذي روى الحديث عن سماك، قال الحافظ في التقريب: (صدوق كثير الخطأ يغرب) ومع أنه من رجال مسلم إلاّ أنه لا يحتج به منفردًا لما عنده من الخطأ الكثير، بل يستشهد به، وقال الساجي في (الضعفاء) : (روى أحاديث لا يتابع عليها عن سماك بن حرب) قلت: كأنه يعني هذا والله أعلم.

هذا مع أن هذا الحديث الثاني الذي ذكره في الهامش، ليس فيه ما ادّعاه من رد أبي بكر تبليغ سورة براءة إلى عليّ، ولا فيه أن هذا القول كان في عرفات ولا في حجة الوداع عمومًا، مع ذلك فهو ضعيف لا يثبت، وأوهى منه الحديث الأول السابق ذكره، مع ما فيه من النكارة.

وبعد هذا البحث الطويل نعود الآن إلى حديث حبشي، وهو الأصل هنا، وقد قدمنا أن كلّ من رواه لم يخرّجه إلاّ من طريق أبي إسحاق السبيعي عن حبشي بن جنادة.

وحديث حبشي هذا ضعيف لا يثبت، وقد ضعّفه حتى السيوطي- على تساهله- في (الجامع الصغير) (5595) . فأبو إسحاق السبيعي مدلس وقد عنعنه، ثم إنه كان قد اختلط، وقد رواه عنه ثلاثة رواة هم: حفيده إسرائيل بن يونس، وقيس بن الربيع، وهذان رويا عنه بعد اختلاطه، ورواه عنه أيضًا شريك القاضي، وهو وإن كان قديم السماع من أبي إسحاق إلاّ أن شريكًا نفسه سيء الحفظ، وكان قد اختلط هو الآخر، فإن سلم الإسناد من اختلاط أبي إسحاق وقع فيما لا يقل عنه من سوء حفظ شريك واختلاطه.

هذه العلة الأولى في الحديث وهي اختلاط أبي إسحاق السبيعي وتدليسه، أو سوء حفظ شريك واختلاطه. وفيه علة ثانية وهي أن الحديث جاء بلفظ آخر وهو: (عليّ مني وأنا من عليّ، ولا يقضي ديني إلاّ أنا أو عليّ) عند الإمام أحمد (4/164) ، والطبراني في الكبير (3512) ، وقد رواه بهذا اللفظ عن أبي إسحاق حفيده إسرائيل وهو حافظ ثقة، وقيس بن الربيع، ورواه عن إسرائيل يحيى بن أبي بكير وهو ثقة من رجال الصحيحين، فتبقى فيه علة أبي إسحاق السبيعي فقط، وليس اللفظ الأول بأولى بالقبول من اللفظ الآخر، هذا بالنسبة لحديث حبشي. إلاّ أن ما يرجح اللفظ الثاني وهو (عليّ مني وأنا من عليّ، ولا يقضي ديني إلاّ أنا أو عليّ) أن له شواهد من حديث آخرين غير حبشي، وهو حديث أنس عند البزار (ص:268) ولفظه: (عليّ يقضي ديني) ، وحديث سعد بن أبي وقاص عند البزار أيضًا (ص:266) والنسائي في (الخصائص) (ص:3) بلفظ: (هذا وليي ويؤدي عني ديني، وأنا موالي من والاه ومعادي من عاداه) . وهذان الحديثان وإن كان في إسناديهما مقال وضعف، إلاّ أنهما يصلحان شاهدين للفظ الثاني من حديث حبشي وترجيحه على اللفظ الأول، فإن كان يمكن أن يصح حديث حبشي فبهذا اللفظ فقط: (عليّ منيّ وأنا من عليّ، ولا يقضي ديني إلاّ أنا أو عليّ) . وهو ما فعله المحدث الشيخ الألباني فصحح هذا اللفظ في (الصحيحة) (1980) ومنه استفدنا هذا التصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت