الصفحة 185 من 366

الوجه الأول: أن يقال أنه تبليغ مخصوص -كما قال الحافظ- في شأن نبذ العهد بالآيات الأولى من سورة براءة، ولا يصحّ أن يكون تبليغًا مطلقًا- هذا على فرض صحته- فإن النبي صلى الله عليه وسلّم بعث في مرات كثيرة جدًا غير علي رضي الله عنه مبلّغين، ولا يُقال: إن هذا كان قبل قوله هذا الحديث- أي في السنة التاسعة للهجرة- فإن هذا باطل قطعًا، فقد بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم - مثلًا- مع بعض الوفود القادمة عليه من الصحابة سوى عليّ، وأيضًا مثل بعثه معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، أما قبل هذا الحديث فكثير أيضًا، ولا أدل عليه من بعثه مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى أهل المدينة قبل مقدمه صلّى الله عليه وسلّم، وكل هذه البعوث لتبليغ الناس دين الإسلام ودعوتهم له، فبان بحمد الله بطلان كون هذا التبليغ مطلقًا، بل هو تبليغ مخصوص لنبذ العهد فقط، وبه يتبيّن: الوجه الثاني: أنّ هذا القول ما قاله قطّ في حجة الوداع لا في أثنائها ولا بعدها، بل للالتحاق بأبي بكر رضي الله عنه وللانضمام تحت إمرته في الحجّ سنة تسعٍ لتبليغ نبذ العهد، مع أنه كان لعليّ رضي الله عنه معاونون ومبلّغون معه في نبذ العهد، فلم ينفرد هو بذلك، مثل أبي هريرة رضي الله عنه، كما ثبت بذلك الحديث عند البخاري (1/103) (2/188) (5/212) (6/81، 82) وغيره.

الوجه الثالث: أن سورة براءة لم تنزل إلاّ بعد سفر أبي بكر رضي الله عنه إلى الحج أميرًا ونائبًا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو أهلٌ لهذه النيابة عنه صلّى الله عليه وسلّم حيًّا وميّتًا، وهذا ما يفهم من جميع الروايات الصحيحة لهذه القصة، وهو الذي صرّحت به رواية ابن إسحاق عن محمد الباقر نفسه، التي أشرنا إليها في صفحة الرد على المراجعة (34) ، وأفادته رواية البخاري السابقة لهذه القصة، وهو الذي قرره ابن كثير في البداية والنهاية، ومن قبله الحافظ الذهبي في (المغازي) (ص:664) بقوله: (حج بالناس أبو بكر الصدّيق، بعثه النبي صلّى الله عليه وسلّم على الموسم في أواخر ذي القعدة ليقيم للمسلمين حجهم، فنزلت(براءة) إثر خروجه) اهـ. وسيأتي الكلام على ما استدل به هذا الموسوي عبد الحسين من حديثي مسند الإمام أحمد.

الوجه الرابع: أن أوائل سورة براءة إنما هو فسخ للعهود السابقة مع المشركين، ومن عادة العرب أن يتولى إعلان ذلك رئيس الجماعة أو رجل من قرابته، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (المنهاج) (1) ، وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (8/409) : (ولهذا قال العلماء: إن الحكمة في إرسال عليّ بعد أبي بكر أنّ عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلاّ من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال: لا يبلغ عني إلاّ أنا أو رجل من أهل بيتي) اهـ.

قلت: ولا يصح ما اعترض به بعض الفضلاء بأن هذا الأمر كان يعلمه النبي صلّى الله عليه وسلّم مسبقًا، فَلِمَ أرسل أبا بكر أولًا ثم أردفه بعليّ؟ فإنا نجيب بالتذكير بما سبق من أن أبا بكر خرج قبل نزول سورة براءة أي لم يخرج لنقض العهد بل أميرًا على الحج، فلما نزلت براءة، وفيها نقض العهود بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليًا بذلك من دون غيره من الصحابة الباقين معه في المدينة لهذا السبب.

وأما الحديثان اللذان ذكرهما عبد الحسين هذا في الهامش (15/189) من مسند الإمام أحمد (1/150، 151) فهما ضعيفان لا يثبتان ومنكران، وقبل كل شيء ليسا هما من رواية الإمام أحمد، بل من زوائد ابنه عبد الله في مسند أبيه، وهذا ما لم يفهمه هذا الموسوي عبد الحسين.

وهذا الحديثان من طريق سماك بن حرب عن حنش عن عليّ. وحنش هذا هو ابن المعتمر، وهو صدوق صالح في نفسه إلاّ أنه صاحب أوهام، قال البخاري: يتكلمون في حديثه. لذا قال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام. وقد فصّل حاله ابن حبّان فقال: (وكان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن عليّ بأشياء لا تشبه حديث الثقات حتى صار ممن لا يُحتج بحديثه) .

قلت: كأنه يشير إلى حديثه هذا، الذي عناه البزار بقوله: (حدّث عنه سماك بحديث منكر) .

(1) انظر (مختصر المنهاج) (ص:311) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت