حديث حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليّ مني وأنا من عليّ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو عليّ) . أخرجه الإمام أحمد (4/164، 165) ، والترمذي (4/328) ، وابن ماجة (119) ، والنسائي في (خصائص عليّ) (34، 35، 37) ، والطبراني في الكبير (3511، 3513) ، وابن أبي عاصم في (السنة) (1320) كلهم من طريق أبي إسحاق السبيعي عن حبشي بن جنادة. وقبل الكلام على إسناده وما فيه أنبه إلى ما في كلام عبد الحسين هذا من الغش والمغالطة بقوله في الهامش (15/189) : (... من حديث حبشي بن جنادة بطرق متعددة كلّها صحيحة) فإن كان يعني بالطرق المتعددة إلى حبشي بن جنادة الصحابي- كما هو ظاهر عبارته- فهو كذب بيّن، إذ لم يروه عن حبشي سوى أبي إسحاق السبيعي، ثم ليس له عن أبي إسحاق إلا ثلاث طرق كما سنبيّنه، هذا فضلًا عن أنها ليست صحيحة كما زعم.
ثم قوله في ذلك الهامش أيضًا: (ومن راجع هذا الحديث في مسند أحمد علم أن صدوره إنما كان في حجّة الوداع التي لم يلبث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدها في هذه الدار الفانية إلاّ قليلًا) اهـ. يدلّ على حماقته وقصور فهمه، أو على خبثه في سعيه لتحريف النصوص وليّها، فإن هذا - على فرض ثبوته وصحته- لم يقله النبي صلّى الله عليه وسلّم في عرفات ولا في أي موضع آخر في حجة الوداع، ولم يذكره أبدًا من جمع الصحيح من أحاديث حجة الوداع (1) ، اللهم إلا هؤلاء الرافضة الدجّالون الوضّاعون الذين لا ينظر إلى ادعاءاتهم من نور الله بصيرته بالحق الذي أنزله. كل ما في الأمر أن شيخ الإمام أحمد في هذا الإسناد وهو يحيى بن آدم روى هذا الحديث بإسناده فقال: (عن حبشي بن جنادة -وكان قد شهد يوم حجة الوداع- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: عليّ مني...) الحديث. فقوله: وكان قد شهد يوم حجة الوداع، إنما هو تعريف للصحابي هذا حبشي لإثبات صحبته للنبي صلّى الله عليه وسلّم، إذ ليس هو من الصحابة المعروفين المشهورين، بل لم يرو عنه سوى أبي إسحاق السبيعي-كما في هذا الحديث- والشعبي (1) ، وهذا بخلاف حديثه الآخر عند الترمذي (2/20) ، والطبراني في الكبير (3504) الذي قال فيه: (سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع وهو واقف بعرفة...) الحديث، فهذا قوله هو أولًا، ثم فيه التصريح بأنه كان في عرفات ثانيًا، بخلاف حديثنا هذا فإنه من قول يحيى بن آدم شيخ أحمد، لا من قول الصحابي حبشي، ولا تعلّق له بالحديث بل للتعريف بالصحأبي كما قدمنا، ولا تغفلن الفرق بين لفظي الحديثين!
ثم ما يقوله هذا الأحمق عبد الحسين لنفسه في التناقض القبيح الذي وقع فيه بزعمه في الهامش، وكذلك في المتن أعلاه، بأن هذا الحديث قاله النبي صلّى الله عليه وسلّم في عرفات في حجة الوداع، ثم قوله بعد ذلك في الهامش بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قاله حين بعث عليًّا حتى لحق بأبي بكر فردّه وأخذ سورة براءة ليبلغها مكانه، فإن هذا كان في سنة تسعٍ للهجرة باتفاق أهل الأخبار قبل حجة الوداع، حين حجّ أبو بكر رضي الله عنه بالناس، وأما كون أبي بكر خرج أولًا بسورة براءة ثم أردفه النبيّ صلى الله عليه وسلّم بعليّ فأخذها منه، فهذا باطل لا يثبت، بل الصواب أن أبا بكر رضي الله عنه أمره النبي صلّى الله عليه وسلّم على الحج سنة تسع،
وبعدما خرج نزلت سورة براءة، وفي أوائلها نبذ العهد بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمشركين، أي أنها نزلت بعد خروج أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لو بعثت بها إلى أبي بكر. فقال: لا يؤدي عني إلا رجلٌ من أهل بيتي- كما في رواية محمد الباقر التي أشرنا إليها في الرد على المراجعة (34) - وفي رواية: (لا ينبغي لأحدٍ أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي) قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (8/406) : (وهذا يوضح قوله في الحديث الآخر(لا يبلغ عنّي) ويعرف منه أن المراد خصوص القصة المذكورة لا مطلق التبليغ) اهـ.
قلت: ومثله قوله في الحديث الآخر- إن صحّ-: (لا يؤدي عنّي...) وههنا أربعة أوجه:
(1) انظر (الترمذي) (2/20) (المعجم الكبير) (3504، 3505) ، (تهذيب التهذيب) (2/176) .