الصفحة 182 من 366

يحيى بن معين، فيما رواه الخطيب أيضًا (11/49) أنه قال عن الحديث: (ما سمعت به قط) ، وروى الخطيب أيضًا (11/49) أن ابن معين سئل عن هذا الحديث فأنكره جدًا، وفي رواية أخرى قال: (ما هذا الحديث بشيء) ومثل ما سبق أيضًا ما جاء عن:

الحافظ بن عقدة، رغم تشيّعه المعروف قال عن هذا الحديث: (لا أعرف هذا) . نقله الذهبي في (الميزان) (2/153) .

الحافظ أبو الفتح الأزدي، نقل عنه ابن كثير في البداية والنهاية (7/358) أنه قال: (لا يصحّ في هذا الباب شيء) .

الترمذي، رغم تساهله المعروف ضعّف هذا الحديث- فيما سبق- وقال: (هذا حديث غريب منكر) .

الحافظ محمد بن عبد الله أبو جعفر الحضرمي- وهو مطين- فيما نقله عنه الخطيب (7/173) ، قال: (لم يروِ هذا الحديث عن أبي معاوية من الثقات أحدٌ، رواه أبو الصلت فكذّبوه) .

الحافظ ابن كثير، حين سرد شيئًا من طرق هذا الحديث في البداية والنهاية (7/358) ، ونقل وضعه وكذبه عن ابن عدي وغيره. وأقره فلم يردّه.

الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/114) رغم تساهله الشديد اكتفى بتضعيف هذا الحديث.

وأخيرًا ترى الكلام على هذا الحديث بجميع طرقه مفصّلًا عند:

المحدّث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، في (السلسلة الضعيفة) (29555) ، وقد حكم بوضعه وكذبه بحجج ظاهرة، وفق المنهج العلمي، كما هي عادة الشيخ الألباني في مصنّفاته، فحريّ بالباحث أن يرجع إليه فإن فيه علمًا جمًا، لكني لا أطوله الآن لأستفيد منه وأنقل ما لم نذكره من طرقه وغيرها، وأظن فيما قدمنا كفاية للمنصفين إن شاء الله.

وبكل ما تقدم اتّضح جليًّا -بحمد الله- كذب هذا الحديث وبطلانه من جهة إسناده، أما من جهة متنه فقد فصّله شيخ الإسلام ابن تيمية في (المنهاج) ، فكان مما قال (4/138-139) : (والكذب يعرف من نفس متنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مدينة العلم ولم يكن لها إلا باب واحد، ولم يبلّغ العلم عنه إلا واحد فسد أمر الإسلام، ولهذا اتفق المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون المبلّغ عنه العلم واحدًا، بل يجب أن يكون المبلّغون أهل التواتر الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب، وخبر الواحد لا يفيد العلم بالقرآن والسنن المتواترة، وإذا قالوا: ذلك الواحد المعصوم يحصل العلم بخبره، قيل لهم: فلا بدّ من العلم بعصمته أولًا، وعصمته لا تثبت بمجرّد خبره قبل أن تعرف عصمته لأنه دور، ولا تثبت بالإجماع فإنه لا إجماع فيها) اهـ.

ونحو هذا الكلام في (مجموع الفتاوى) 4/410-411)، وجاء فيه أيضًا: (وهذا الحديث إنما افتراه زنديق أو جاهل ظنّه مدحًا، وهو مطرق الزنادقة إلى القدح في علم الدين إذا لم يبلّغه إلا واحد من الصحابة) اهـ. في كلام طويل ونفيس فليراجع.

وهذا الذي قاله شيخ الإسلام واستنكره في معنى الحديث هو المتعيّن، إذ لا معنى له سواه، وهو ما يردّ به على من صححه، إضافةً إلى ما سبق من سقوط أسانيده كلها. وهذا الموسوي -عبد الحسين- ومعه كل الشّيعة يقرّون عند احتجاجهم بهذا الحديث بعدم وجود تواتر عندهم ألبتّة، ذلك أن مقتضى هذا الحديث أنه لا مبلّغ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إلاّ عليّ، ومن ثم لا يقين عندهم بالقرآن ولا بالسنن المتواترة -وهذا في الحقيقة يتماشى مع طعنهم بصحة القرآن الكريم وبما ثبت بالتواتر عن المصطفى صلّى الله عليه وسلّم - أما إذا قيل أن الحديث لا يقتضي انفراد عليّ بكونه باب علمه صلّى الله عليه وسلّم، بل هناك أبواب أخرى ممثّلة بغير عليّ من الصحابة رضوان الله عليهم، بطل بذلك استدلالهم على اختصاصه رضي الله عنه بفضيلةٍ شاركه فيها غيره كثيرون.

لكن الله سبحانه وتعالى -بفضله- أعاذنا من مثل هذه الأباطيل والافتراءات والتقوّل على الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، بسقوط هذا الحديث من الاعتبار، وتحققنا من وضعه وكذبه، ولله الحمد على ما أنعم به، وهو المسؤول دوامها.

(أنا دار الحكمة وعليّ بابها) تقدّم الكلام عليه بالتفصيل خلال الحديث السابق (9) فهو أحد ألفاظه، وهو موضوع كسابقه، راجع تفصيل ذلك.

حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (عليّ باب علمي ومبيّن لأمتي ما أرسلت به من بعدي، حبّه إيمان وبغضه نفاق) . ذكره في (كنز العمال) (32981) وعزاه للديلمي، ولم يصرّح بضعفه لوضوحه وبيانه من عزوه للديلمي كما اصطلح عليه، وقد نقلنا في الرد على المراجعة (26) من قوله في مقدمة كتابه (1/10) بأن كل ما عُزي للديلمي في مسند الفردوس مع آخرين ذكرهم فهو ضعيف فيُستغنى بالعزو إليها عن بيان ضعف الحديث، وهو الأمر الواقع هنا تمامًا ولله الحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت