-هذا ما وجدته من طرق هذا الحديث- على اختلاف في لفظه- وهي بمجموعها تبلغ واحدًا وعشرين طريقًا، لا تقوم بها حجة ولا كرامة، فحديث ابن عباس لم يروه إلا كذّاب دجّال، أو متّهم بالكذب والوضع، أو مجهول لا يُعرف عنه شيء، ومثله حديث جابر من طريقيه، أما حديث عليّ فمع وجود شبهة التصحيح فيه فهو ساقط بمرة؛ لما قدمنا من وجود ثلاث علل-على الأقل- في كل طريق من طرقه الثلاث، هذا فضلًا عن الاضطراب في سنده -كما قاله الدارقطني فيما نقله السيوطي في (اللآلئ) (1/330) - بذكر سويد بن غفلة مرةً، وحذفه أخرى، وإذا سلمنا برواية الحذف لمجيئها كذلك من طريقين وقعنا فيما هو أوهى من ذلك؛ بسبب ما في ذينك الطريقين من سُرّاق الحديث وسلسلة المجهولين، أما إذا رجّحنا رواية ذكر سويد بن غفلة في الإسناد عورض ذلك بالاضطراب في سنده، مع ما فيه من الضعفاء والمتّهمين بالتشيّع. وهذا كله يتبيّن عند النظر بدقّة وإنصاف إلى تلك الطرق الثلاث لحديث عليّ رضي الله عنه، مع التأكيد على اجتماع طرقه الثلاث هذه على شريك القاضي، أي لا وجود لمن يتابع شريكًا ويزيل سوء حفظه هذا، فضلًا عن أن المتابعات لمن دونه من الضعفاء تزيدها وهنًا لشدة ضعفها هي الأخرى.
أما إذا جمعنا طرق حديث عليّ إلى طرق حديثيّ ابن عباس وجابر بن عبد الله، رجاء تقويتها -كما يزعم البعض- فإننا حينها نتأكد بما لا مجال فيه للشك من كذب هذا الحديث ووضعه، لاقتصار دوران حديثي ابن عباس وجابر بين الكذابين أو المتّهمين أو المجهولين، فضم حديث عليّ إليهما مما يزيده وهنًا على وهنه، ويؤكد وضعه وكذبه وبطلانه.
فهو من نوع الضعف الذي لا ينجبر بكثرة طرقه، الذي نبّه عليه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح، إذ قال رحمه الله في (مقدمة علوم الحديث) (ص:37) : (... ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك- قلت: يعني تعدد الطرق- لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهّمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًا، وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة) اهـ.
وعقب عليه أيضًا المحدّث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في (نصب المجانيق) (ص:21) فقال: (قلت: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن الغفلة عن هذه النفيسة قد أوقعت كثيرًا من العلماء، لا سيّما المشتغلين منهم بالفقه، في خطأ فاضح، ألا وهو تصحيح كثيرٍ من الأحاديث الضعيفة اغترارًا بكثرة طرقها، وذهولًا منهم عن كون ضعفها من النوع الذي لا ينجبر الحديث بتعددها، بل لا تزيده إلاّ وهنًا على وهن) اهـ.
وله في ذلك- جزاه الله خيرًا- كلام نفيس في رسالته تلك (ص:20-21) تحت عنوان: (قاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها) فليُراجع.
هذا آخر ما يمكن أن يتعلّق به الرافضة من طرق هذا الحديث، وقد فصّلناها بعون الله تفصيلًا حسنًا.
فإن تشبّثَ جاهلٌ وذو هوى بتصحيح بعض الحفاظ لهذا الحديث -كابن جرير وابن حجر- واعترض علينا لمخالفتنا لهم في حكمنا ببطلان هذا الحديث وكذبه، رددناه -بمثل حجته- بذكر عدد من العلماء والأئمة الحفاظ المتقنين الذين حكموا ببطلان هذا الحديث وكذبه.
ونحن لا ضير علينا من مخالفتنا لمن أشار إليهم هذا الموسوي في الهامشين (9، 10/188) ممن صحح هذا الحديث، فلئن كنا خالفناهم فقد وافقنا جماعة من أئمة الحديث والعلم سيأتي ذكرهم، فاتّباعهم أولى، لا لكثرتهم بل لأن المنهج العلمي لدراسة أسانيد الحديث معهم، ورحم الله من قال: (لا يُعرف الحق بالرجال، اعرف الحقّ تعرف الرجال) . وهاك أسماء من كذّب هذا الحديث وحكم بوضعه وبطلانه من الأئمة الأعلام ومن بعدهم، ممن حكم على هذا الحديث بما يشبه الوضع والكذب، أو من اكتفى بتضعيفه وردّه:
الحافظ ابن عدي، صاحب كتاب (الكامل) ، وذلك في المواضع المشار إليها سابقًا من كتابه، ونقله عنه أيضا الذهبي في غير موضع من (الميزان) ، وكذا ابن كثير في البداية والنهاية (7/358) .
ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات) (1/349، 350، 351، 352، 353) وذكر معظم طرقه السابقة.
الحافظ الدارقطني فيما نقله عنه السيوطي في (اللآلئ) (1/330-331) من طعنه بجميع طرق الحديث بلا استثناء.
أبو عبد الله القرطبي في (تفسيره) (9/336) وقال: (وهو حديث باطل) .
شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع، مثل (منهاج السنة) (1) ، وكذلك في (مجموع الفتاوي) (4/410) .
الحافظ الذهبي في مواضع كثيرة أيضًا، مثل (تلخيص مستدرك الحاكم) (3/126، 127) ، (ميزان الإعتدال) (1/415) (2/153) وغيرها كثير.
الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله السيوطي في (اللآلئ) (1/331) أنه سئل عن هذا الحديث فقال: (قبّح الله أبا الصلت) ، وروى عنه الخطيب في (تاريخ بغداد) (11/48) أنه سئل عن هذا الحديث فقال: (ما سمعنا بهذا) ولا يخفى أن نفي سماعه ومعرفته من مثل الإمام أحمد في حفظه وضبطه وإتقانه لهو من أشدّ أنواع التضعيف، ومثله ما جاء عن:
(1) انظر (مختصر المنهاج) (ص:496) .