الصفحة 18 من 366

ثم إنه من قال: إن من اقتصر على تلك الكلمة لا يقال عنه خطبنا؟ أهذا ما تمليه لغة أئمة الشيعة هؤلاء؟! وعلى فرض أنه صلى الله عليه وسلم قال كلامًا آخر غير هذا في خطبته تلك، فما أدرى هذا الموسوي بذلك الكلام حتى يحتج به؟! أهذه هي النّصوص الصريحة التي زعم أنه يحتجّ بها في مقدمة كتابه؟! نعوذ بالله من الجهل والخذلان!

وقال في الفقرة الرابعة من هذه المراجعة: (والصحاح الحاكمة بوجوب التّمسّك بالثقلين متواترة... إلى آخر كلامه) ، وزعم أنها قيلت في مواضع شتى. ونحن نقول: مع كثرة طرق حديث غدير خم وشواهده- بعد تمييز صحيحها من سقيمها- فليس في ما صحّ منها الأمر بالتّمسّك بالثقلين -كما زعم- إلاّ في لفظ أو لفظين، والصحيح من الروايات فيه التوصية بأهل البيت لا التمسك بهم، ومع ذلك فقد بينا وجه قوله صلى الله عليه وسلم -إن صحّ- بالتمسك بهم، لكن كثرة الطرق هذه والشواهد لا تدل على تعدد الموضع، بل في معظمها التصريح أنه كان عند غدير خم، والباقي منها ليس فيها أي بيان لموضعه، فيجب حمله على أنه في موضع واحد، أما القول بتعدد الموضع إذا تعددت الطرق والشواهد فهو قول السطحيين غير المحققين، وهو قول من لم يتمكن من الجمع بين الروايات في الموضع الواحد، ومن ثمّ هو قول مرجوح، ثم إنه ليس في أي من الروايات الصحيحة ما يشير أدنى إشارة إلى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا قيل في غير موضع غدير خم، لا في حجة الوداع، ولا في المدينة، ولا في منصرفه من الطائف صلى الله عليه وسلم، وقد اعتمد هذا الموسوي في ما ذهب إليه على قول ابن حجر في الصواعق المحرقة، ذلك القول الذي لم يوفق فيه لإصابة الحق، فليس في الروايات الصحيحة الثابتة ما يؤيّد ذلك، ولا عبرة بعد ذلك بما جاء في بعض الروايات غير الصحيحة من تعدد موضع تلك التوصية، ونبقى نطالبه بدليل صحيح على ما ادّعاه، وبالتالي ندحض حجّته في تعدد الموضع، مع أنه ليس في ثبوتها ما يضير.

بقي من الأحاديث التي ساقها في هذه الفقرة ما زعمه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس! يوشك أن أقبض قبضًا سريعًا...) وفيه: (عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض) . ولم يذكر من أخرجه ولا صاحب الصواعق المحرقة الذي عنه نقله، وهو قصور فاحش يوجب سقوط الحديث عن الاحتجاج إذ لم يعرف مخرجه ولا سنده.

ثم رأيت الحديث قد أخرج طرفًا منه الطبراني في الصغير (707) وعزاه في المجمع (9/134) للأوسط أيضًا عن أم سلّمة رضي الله عنها، وإسناده واهٍ بمرة، فيه صالح بن أبي الأسود الكوفي، وهو كما قال الذهبي في الميزان، وفيه أيضًا أبو سعيد التيمي ولقبه عقيصًا، تركه الدارقطني، وقال الجوزجاني: غير ثقة، ووهّاه غيرُهما، مع ما في الإسناد من المجاهيل أيضًا.

وقوله بعد ذلك: (وحسب أئمة العترة الطاهرة أن يكونوا عند الله ورسوله بمنزلة الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) فيه بيان ما يصير اليه هذا الموسوي من القول بعصمة أئمته هؤلاء، في الوقت الذي يقرر فيه علماؤهم تحريف القرآن الكريم ونقصانه، وأن الباطل قد دخل إليه من بين يديه أو من خلفه- كما نقلنا ذلك عنهم مصدقًا بذكر كتبهم وإن أنكره بعضهم- فهم حتى لم يساووهم بالقرآن بل فضّلوهم عليه.

ونحن نسأله: أين هي سُنّة محمّد صلى الله عليه وسلم عندكم؟ أهي من فضول الكلام ومن حشو الصحف حتى تقدم عليها فعل أئمة العترة هؤلاء وتدعي أنهم بمنزلة القرآن وأنهم لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم؟! فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطئ ويسهو ويصحح الله له، فكيف تنفي الخطأ عن غيره وتدّعي عصمته؟

ولا أشك في أنه- وأصحابه- يريدون بهذا القول التوصل إلى ردّ القرآن كله عن طريق قولهم بتشابه القرآن وأنه حمّال أوجه، وأن معناه لا يُعرف، ويجب ردّعلمه وتفسيره وبيانه إلى هؤلاء العترة. وهذا هو حال الشيعة جميعًا، فلا تجد فيهم من يحسن حفظ القرآن ولا فهمه إلا ما استطاعوا تحريفه من تفسير آياته، وجعلوها دالّة على مطلوبهم الباطل، ناهيك عمن يطعن بسلامة القرآن الكريم ممن قدمنا قوله في ذلك في مقدمتنا.

وأقول أيضًا: أفلا يمكن بالمقابل القول بأن سنة الخلفاء الراشدين هي بمنزلة سنّة محمّد صلى الله عليه وسلم، اعتمادًا على الحديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) بتطبيق الفهم السقيم القاصر الذي اعتمده هذا الموسوي في الحديث الذي ذكره؟!

ثم لفظ الحديث الأول الذي ذكره في الفقرة الخامسة: (إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا؛ كتاب الله وعترتي) تقدم بيان ضعفه وردّه وسقوطه عن الاحتجاج عند الكلام على الحديث (ص:49) (هامش 1) فهو نفسه، فلا يصح بعد ذلك ما بناه على أساسه هذا الموسوي في هذه الفقرة.

وأما ما أشار إليه من رواية الطبراني: (فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا...) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت