ليث بن أبي سليم، حاله يشبه حال قيس الماضي، صدوق في نفسه لكنه قد اختلط فساء حفظه جدًا، قال الحافظ في التقريب: (صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك) اهـ. وانظر (كتاب المجروحين) لابن حبّان (1/57) (2/231) .
فهؤلاء أربعة متسلسلون مطعون فيهم، يريدنا هذا الموسوي أن نحتج بهم، ونقرر الهراء والسخف الذي صرح به في الهامش (8/187-188) بقوله: (فانظر كيف جعل عدم ضلالهم مشروطًا بالتمسك بعليّ، فدل المفهوم على ضلال من لم يستمسك به...) إلى آخر كلامه الذي لا يوافقه عليه إلاّ إخوان الشياطين من هؤلاء الرافضة الملاعين.
حديث: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب) .
هذا حديث موضوع على ما له من طرق وشواهد، وقد حكم عليه بذلك عدد من أهل العلم. وسنفصل كل ذلك إن شاء الله، ولا عبرة بمشاغبة هذا الموسوي في الهامش (9/188) ، فلم يأتٍِ في ذلك بدليل سوى احتجاجه بشهرة هذا الحديث ودورانه على الألسنة، وهذا والله هو الخذلان، فليس هو من صنيع أهل العلم والتحقيق والتثبت، بل هو مما يؤكد وضعه وكذبه نظير كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسن، مع أنها لا أصل لها أو كذب مختلق التي ألف أهل العلم من أجل بيانها مصنفات كثيرة في ذلك، مثل (المقاصد الحسنة) لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي، وكتاب (تمييز الطيب من الخبيث) لعبد الرحمن بن علي الشيباني، وكتاب (كشف الخفاء ومزيل الإلباس) لإسماعيل بن محمد العجلوني، وغيرها.
ونحن لا ننكر تصحيح بعض العلماء هذا الحديث على قلتهم، فلا يجب في معرفة حكم الحديث اجتماع كل العلماء على قول واحد فيه، فإن هذا إذا أنكره أحدٌ في أي حديث فلا يبعد من الصواب، بل الشأن أن ينظر في الحديث سندًا ومتنًا -كما سنفعل إن شاء الله- ومنه يعرف الصواب من قول أهل العلم وحكمهم، ولا يصح التقليد أبدًا، خصوصًا في مثل هذه الحال، كمالا يخفى على أهل صحة البال.
وهاهو الحاكم، وهو من أهل هذا الشأن، لا ينكر ذلك منصف، يصحح كثيرًا من الأحاديث الباطلة الموضوعة- مثل حديثنا- ويرده الذهبي وغيره من العلماء بالحجة والبرهان، لا بالتحكم المجرد عن التبيان. وهذا أوان الكلام على ما لهذا الحديث من طرق وشواهد، ما ذكره هذا الموسوي وأشار إليه وما سوى ذلك، فنقول مستعينين بالله العظيم:
-حديث ابن عباس.. أخرجه الحاكم (3/126) ، والطبراني في الكبير (11061) ، والطبري في (تهذيب الآثار) (مسند علي) (174) ، وابن عدي في (الكامل) (3/1247) ، والخطيب في (تاريخ بغداد) (11/48، 49) من طريق أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عباس. وآفته أبو الصلت عبد السلام بن صالح هذا، قال أبو حاتم: لم يكن عندي بصدوق. وقال العقيلي: رافضي خبيث. ومثله قول الدارقطني، وقال ابن عدي: متهم. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الذهبي في رده على الحاكم توثيقه: (لا والله، لا ثقة ولا مأمون) ، وضعفه أيضًا الإمام أحمد والجوزجاني وزكريا الساجي، وقد أعل الحديث به وضعفه الهيثمي في (المجمع) (9/114) على تساهله. هذه الطريق الأولى لحديث ابن عباس.
الطريق الثانية: ما رواه الخطيب (7/172-173) من طريق محمد بن عبد الله أبو جعفر الحضرمي- وهو مطين- ثنا جعفر بن محمد البغدادي أبو محمد الفقيه- وكان في لسانه شيء- ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس. وهو ضعيف أيضًا، فشيخ مطين جعفر بن محمد البغدادي مجهول لا يعرف، ذكره الخطيب ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأقرّ بجهالته الذهبي في (الميزان) (1/415) ، وساق حديثه هذا وقال: (هذا موضوع) . ونقل الخطيب عقبه عن أبي جعفر الحضرمي، وهو الحافظ الثقة مطين أنه قال: (لم يرو هذا الحديث عن أبي معاوية من الثقات أحد، رواه أبو الصلت فكذبوه) اهـ. فاحفظ هذا فسنحتاج إليه بعد.
وله طريق ثالثة: أخرجها الخطيب أيضًا: (4/348) من طريق عبد الله بن محمد بن عبد الله الشاهد- وهو أبو القاسم ابن الثلاج- ثنا أبو بكر أحمد بن فاذويه بن عزرة الطحان، ثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم، ثني رجاء بن سلمة، ثنا أبو معاوية به. وهذا إسناد موضوع، عبد الله بن محمد الشاهد أبو القاسم المعرفة بابن الثلاج متهم بوضع الحديث وتركيب الأسانيد، كذّبه الدارقطني، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، والأزهري وغيرهم، انظر ترجمته في (تاريخ بغداد) (10/135-138) ، وذكره أيضًا ابن كثير في البداية والنهاية (11/321) وبين حاله هذا.
وفي الإسناد أيضًا علتان أخريان دون هذه، وهما جهالة أحمد بن فاذويه ورجاء بن سلمة، الأول ذكره الخطيب ولم يبين فيه جرحًا ولا تعديلًا، والثاني ما وجدت أحدًا ذكره، بالإضافة إلى إعلال الحديث به لجهالته كما في (تنزيه الشريعة) (1/378) .