الصفحة 172 من 366

والحديث الثاني الذي ساقه في الهامش، حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله) فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر، فقال: (لا، ولكنه خاصف النعل) أخرجه الإمام أحمد (3/33، 82) ، والحاكم (3/122-123) ، ومن طريقه البيهقي في (دلائل النبوة) (6/435، 436) ، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (1) وذكره أيضًا في (كنز العمال) (32967) ونحوه عند ابن أبي شيبة (12/64) وفي (الكنز) (36351) . وهو حديث صحيح ثابت، وقد أشار إلى طرقه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (7/361) ، وفيه فضل عظيم لعليّ رضي الله عنه، لكن لا علاقة له بالآية أبدًا ولا بقتال المرتدين، فإن الآية هذه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) ) [المائدة:54] . الآية، تتحدث عن قتال المرتدين لا غيرهم كما هو واضح، وعليّ رضي الله عنه لم يتفق له قتال المرتدين، وقد قدمنا أثناء الرد على المراجعة (12) بطلان القول بأن كل من نازعه الإمامة كان مرتدًا من وجهين؛ فإنه رضي الله عنه قد نص على إيمان من خالفه في الإمامة، وتصديقهم للرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما نقلناه هناك من نهج البلاغة نفسه.

واسم المرتد يتناول من كان خارجًا عن دين الإسلام بعد أن كان مسلمًا، وليس في ذلك أبدًا منازعة الإمام- عليًا أو غيره- في إمامته، بل هذا ما تقوله الشّيعة، ثم إنهم خصوا ذلك بعليّ، فمن نازع أبا بكر وعمر وعثمان في إمامتهم لم يجعلوه مرتدًا، كما جعلوا من نازع عليًّا، بل جعلوه مسلمًا مؤمنًا محقًا، وهذا من تناقضهم القبيح الذي يبين اتباعهم الهوى، حتى إذا خالفوا قواعد وأصولًا ابتدعوها، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وإذا كانت الآية لا تخص عليًا بشيء ولا تشير له أدنى إشارة، فكذلك الحديث لا تعلق له بالآية كما زعمه هذا الموسوي، بل فيه الإشارة والبشارة لعليّ رضي الله عنه في قتاله الخوارج -قبحه الله- فإنهم هم الذين تأولوا القرآن، فقد أوتوا من سوء فهمهم، ولم يقصدوا معارضة القرآن، بل قصدوا اتباعه، وكانوا يحتجون به على مطلوبهم مما فهموه وتأولوه. ولهذا لما حاججهم ابن عباس رضي الله عنهما رجع منهم خلق كثير. والخوارج لم يكفرهم عليّ رضي الله عنه ولا يصحّ تكفيرهم، فتمتنع تسميتهم مرتدين لذلك.

فصح بهذا أن قتال عليّ رضي الله عنه على تأويل القرآن هو قتاله الخوارج لا غيرهم، وهو أقل فضلًا ومنزلةً من قتال أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه للمرتدين بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنه هو الذي تنطبق عليه الآية: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ) [المائدة:54] . وقد بينا ذلك أثناء الرد على المراجعة (12) ، وسيأتي في الرد على المراجعة (48) الكلام بالتفصيل على هذا الحديث.

ثم زعم هذا الموسوي في الفقرة الثانية من هذه المراجعة بأن منزلة العترة كمنزلة القرآن الكريم من أبطل الباطلات، وقد سبقت دعوى هذا الموسوي في بداية كتابه، وفصلنا الرد عليه وعلى ما احتج به عليها في الرد على المراجعتين (6، 8) فراجعه، ففيه القول الفصل إن شاء الله، مع التنبيه هنا على ضعف دلالة الاقتران وسقوطها عن الاعتبار عند أئمة الأصول، وهي التي عوّل عليها هذا الموسوي في الاحتجاج بهذا الحديث.

ثم قوله عن أئمة أهل البيت والعترة: (وقد تواتر احتجاجهم بالآية، وثبت عنهم تفسير المولى فيها بما قلناه) كذب صريح، فقد قدمنا أثناء الرد على المراجعة (12) تفسير ابن عباس ومحمد الباقر لهذه الآية بما يخالف ما ادّعاه، وهما من رؤوس أئمة العترة، فكيف يزعم الموسوي هذا، اللهم إلاّ أن يعني ما روته كتب الشّيعة نفسها مثل الكافي للكليني ومن لفّ لفه فهذا لا حجة به علينا ولا يحتكم إليها منصف.

(1) البداية والنهاية (7/360) ، (مجمع الزوائد) (5/186) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت