وبيّنا هناك أيضًا -أثناء الرد على المراجعة (12) - أن أحق الناس بهذه الآية هو خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبو بكر رضي الله عنه، بنص عليّ نفسه -كما تقدم- وآخرين غيره، مثل الحسن وقتادة والضحّاك وغيرهم، مع ما في سياق الآيات من الدلالة على ذلك وأولوية أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه فيها، فراجعه هناك وراجع ما ذكرنا من الأوجه التي بإمكان الخوارج والنواصب وغيرهم من مبغضي عليّ أن يحتجوا بها في هذه الآية نفسها، مما يؤيد طعنهم بعليّ رضي الله عنه، وهذا كله من خذلان الله سبحانه للرافضة هؤلاء حتى لم يبق لهم حجة.
ثم ساق هذا الموسوي في الهامش (1/183-184) حديثين: الأول نقله من (كنز العمال) ولفظه: (لن تنتهوا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم رجلًا امتحن الله قلبه بالإيمان، يضرب رقابكم وأنتم مجفلون عنه إجفال الغنم. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، قال له عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل، قال وفي كف عليّ نعل يخصفها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم) اهـ. ومع أن هذا الحديث لا تعلق بينه وبين هذه الآية (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ) ) [المائدة:54] الآية، ومع أنّه لا دليل فيه على أفضلية عليّ رضي الله عنه وتميّزه بل فيه فضل له كان لغيره الكثير مثله أو فوقه، مع كل هذا فالحديث ضعيف لا يثبت، وقد عزاه هذا الموسوي في هامشه إلى كثير من أصحاب السنن، وهو كذب لا يخفى، وهو لا يستحي منه، فلم يروه سوى الخطيب في (تاريخ بغداد) (8/433) (1) من طريق أحمد بن كامل القاضي، حدثني أبو يحيى بن مروان الناقد، حدثنا محمد بن جعفر الفيدي، حدثنا محمد بن فضيل، عن الأجلج قال: حدثني قيس بن مسلم وأبو كلثوم عن ربعي بن حراش عن عليّ. وهذا إسنادٌ واهٍ، وعلامات التشيع والمغالاة فيه واضحة عليه وعلى متن الحديث أيضًا، ففيه علل:
الأولى: أحمد بن كامل القاضي، روى الخطيب في تاريخه (4/358) عن الدارقطني أنه قال عنه: (كان متساهلًا وربما حدث من حفظه بما ليس عنده في كتابه) وأشار إلى تضعيف الدارقطني له أيضًا الذهبي في (الميزان) .
وقال عنه أيضا: (كان يعتمد على حفظه فيهم) . فهو إذًا عنده أوهام مع تساهله.
الثانية: محمد بن جعفر الفيدي، فيه كلام يسير، قال الحافظ في ترجمته في التهذيب: (له أحاديث خولف فيها) وقد بين الحافظ هناك عدم ثبوت رواية البخاري عنه، وانظر كذلك (فتح الباري) (5/286) .
وشيخه محمد بن فضيل بن غزوان وإن كان ثقة في نفسه إلاّ أنه عند تشيع، فيتوقف فيه عند حديثنا هذا، انظر ترجمته من (الميزان) والتهذيب، وكذلك (هدي الساري) (ص:616) .
الثالثة: الأجلح هذا هو ابن عبد الله الكندي، وهو شيعي، وقد تقدم ذكره مع ما عنده من ضعف في الرد على المراجعة (34) وبسبب تشيعه وضعفه هذا كانت عنده مناكير، قال الإمام أحمد: (قد روى الأجلح غير حديث منكر) فلأجل هذا لا يحتج به في شيء من فضائل عليّ رضي الله عنه وأهل البيت، كما قرره ابن كثير وغيره من الحفاظ فيما تقدم.
الرابعة: قيس بن مسلم هذا الصواب فيه قيس بن أبي مسلم، ذكره الحافظ في (تعجيل المنفعة) ولم ينقل توثيقه عن أحد سوى ابن حبان، وعنه ابن خلفون، وابن حبان متساهل جدًا في التوثيق، حتى إن من قاعدته أن يوثق المجهولين، ومنهم الذين يصرح هو نفسه أنه لا يدري من هو ولا من أبوه، كما نقل ذلك عنه ابن عبد الهادي في (الصارم المنكي) (ص:93) ، فالجهالة عند ابن حبّان ليست جرحًا -كما بينه الشيخ الألباني في (الضعيفة) (2/328-239) -، ومن هنا فإن توثيق ابن حبّان لوحده لا يخرج ذلك الراوي عن حد الجهالة عند المحققين. وقيس هذا روى عنه الأجلح الكندي -كما في إسنادنا هذا- ومسلم بن مسلم الصغير، كما قال ابن حبّان، ولم يرد فيه توثيق معتبر كما قلنا، فهو إذًا مجهول الحال، وفقًا للقاعدة التي بينها الحافظ في مقدمة التقريب فقال: (السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ: مستور أو مجهول الحال) اهـ. ولا يصح الاعتراض هنا بتوثيق ابن حبّان لما قدمنا من مذهبه في عدم اعتبار الجهالة جرحًا، فلا يصبح توثيقه شرطًا منفصلًا هنا كما هو واضح. وأما قرين قيس بن مسلم -أو ابن أبي مسلم- في إسنادنا هذا، وهو أبو كثلوم، فلم أجد له ترجمة ويبقى هو مجهول العين، وهي أشد من جهالة الحال أو الوصف.
فهذه حال إسناد هذا الحديث، ينتقل من مجهول، إلى ضعيف متشيع، إلى صاحب أوهام وتساهل، فأنّى له الصحة؟ بل هو ضعيف مردود.
(1) وإليه فقط عزاه صاحب الكنز (36373) .