نعود الآن إلى الأحاديث المصرحة بما قلناه من سبب هذا الحديث، وقد ذكرنا منها حديث عمران بن حصين، وحديث بريدة بن الحصيب، ونضيف إليها حديث عمرو بن شاس، وقد تقدم لفظه في الرد على المراجعة (34) وذكره هذا الموسوي في الهامش (4/173) ، وفيه التصريح بما وجده عمرو من الجفاء من عليّ فشكاه بسبب ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم، ومثله في ذلك أيضًا حديث وهب بن حمزة في صفحة (445) . وحتى حديث الطبراني الواهي جدًا تجد فيه ذكر ذلك واضحًا. وكذلك في غير ما تقدم من الأحاديث، مثل حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وشكايته إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ما لقي من عليّ من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق، أخرجه البيهقي في (دلائل النبوة) (5/398) ، ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5/105-106) وقال: وهذا إسناد جيد على شرط النسائي اهـ. وكذلك ما رواه ابن إسحاق (1) ومن طريقه رواه ابن جرير في (تاريخه) (3/149) عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، ونقله أيضًا ابن كثير في البداية والنهاية (5/208-209) . وجاءت شكاية الناس عليًا رضي الله عنه في حديث أبي سعيد أيضًا، رواه ابن إسحاق (2) ، ومن طريقه ابن جرير (3/149) ، وأكثر من ذلك ما رواه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (كنت جالسًا في المسجد أنا ورجلان معي، فنلنا من عليّ فأقبل رسول الله...) الحديث، أخرجه أبو يعلى (3) بإسناد لا بأس به في الشواهد، وعزاه في (المجمع) (9/129) للبزار باختصار. وغير ذلك من الأحاديث التي تثبت ما وقع في نفوس كثير من الصحابة على عليّ رضي الله عنه من الريبة والبغض بسبب ما صدر منه تجاههم، الأمر الذي اقتضى علاجه من النبي صلى الله عليه وسلم، وتبرئة عليّ من ذلك، وبيان صدقه في محبته للمؤمنين ونصرته لهم، مع الأمر بمحبته ونصرته وولايته بهذا المعنى لا غير، والذي جاء التصريح به وبيان أنه المقصود في حديث بريدة عند الإمام أحمد (5/350-351) إذ قال بريدة: (فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أتبغض عليًا؟ قال: قلت: نعم، قال: فلا تبغضه، وإن كنت تحبه فازدد له حبًا) .
وبهذه القرائن -ومثلها- اتضح معنى الولي في تلك الأحاديث بأنه: النصير والمحب، واتضح أن هناك دافعًا قويًا لان يصرح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا في عليّ رضي الله عنه، ولا يعرض عن هذه القرائن ويتكابر عليها إلاّ من أعمى الله بصيرته ومن كان في قلبه مرض، ومن يحتكم إلى هواه دون هذه النصوص.. (( أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أكثرهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) ) [الفرقان:43-44] .
النقطة الثالثة: من النقاط التي زعم أنها قرائن تفيده ما اعتمد عليه من لفظ: (بعدي) في الحديث (وهو وليكم بعدي) ، وهذه لا تلزمنا بشيء والحمد لله؛ لما قدمنا من ضعف الحديث بهذا اللفظ، وأنه مخالف لكل روايات الحديث الأخرى على كثرتها، انظر صفحة (431-432) ، وقد قدمنا هناك عددًا من العلماء الذين كذّبوا هذا اللفظ أو استنكروه على الأقل، مثل ابن تيمية، والذهبي، وابن كثير، والمباركفوري، وحتى الترمذي على تساهله، فلا حجة للشيعة علينا فيه بعد هذا، والحمد لله.
النقطة الرابعة -وهي آخر ما زعمه من القرائن-: حديث بريدة عند الإمام أحمد (5/347) ، والحاكم (3/110) ، وقد تقدم وفيه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟) وزعم أن تقديمه صلّى الله عليه وسلّم لذلك هو القرينة المطلوبة، وهذا باطل من وجوه:
الوجه الأول: أنه لا يصلح أن يكون قرينة إلاّ إذا كان معنى (الأولى) في قوله هذا هو نفس معنى (المولى) الذي بعده، وهذا لا يقوله إلاّ الحمقى، فإن (الأولى) هو الأجدر والأحق والأقرب (4) ، وليس ذلك أبدًا من معاني (المولى) أو (الولي) ، وقد قدمناها الرد على المراجعة (36) فبطل بذلك كونه قرينة من هذا الوجه.
الوجه الثاني: أن معنى كون النبي صلى الله عليه وسلّم أولى بالمؤمنين من أنفسهم- وهو نص الآية (6) من سورة الأحزاب- أن حكمه فيهم واختياره لهم مقدم على حكمهم واختيارهم لأنفسهم وأحق بذلك كما قال تعالى: (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) ) [النساء:65] (5) .
(1) سيرة ابن هشام) (4/250) .
(2) سيرة ابن هشام) (4/250) .
(3) البداية والنهاية (7/346) .
(4) المعجم الوسيط) (2/1070) .
(5) انظر (تفسير ابن كثير) (3/467) ، و (روح المعاني) للآلوسي (21/151) وغيرها.