الصفحة 167 من 366

ففي حديث عمران بن حصين أن أربعة تعاقدوا على شكاية عليّ عند النبي صلى الله عليه وسلّم، ووقعوا فيه بسبب الجارية التي اصطفاها لنفسه، حتى غضب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لذلك، وقال قوله هذا -راجع حديث عمران بن حصين- وفي حديث بريدة التصريح بأن بريدة رضي الله عنه نفسه كان ممن يبغض عليًّا قبل هذا الحديث، كما في الرواية التي ذكرها. ونحوها عند الإمام أحمد (5/359) ، والبخاري (5/207) ، وفي رواية أخرى- عند الإمام أحمد (5/347) ، والحاكم (3/110) - أن ذلك كان بسبب ما رأوه من الجفاء من عليّ رضي الله عنه، وعند الإمام أحمد (5/350-351) أن بريدة قال: (أبغضت عليًّا بغضًا لم يبغضه أحد قط، وأحببت رجلًا من قريش لم أحبه إلاّ على بغضه عليًّا...) الحديث. فليسمع أصحاب هذا الموسوي، فليس الأمر كما زعم صاحبهم هذا بأنه من الواضحات البديهيات، ونحن إذ نقول هذا لا نعني به فقط محبة عليّ للمسلمين ونصرته لهم، بل وجوب محبتهم له ونصرتهم له، الأمر الذي لم يكن عند بعض الصحابة بسبب ما رأوا منه رضي الله عنه، فأراد النبي صلّى الله عليه وسلّم حثهم على ذلك بأمرهم به أولًا، وببيان ما عند عليّ رضي الله عنه من النصرة والمحبة للمؤمنين وصدقه في ذلك، وأن ما صدر منه من الجفاء تجاه بعضهم لا يخالف ذلك، فقال صلّى الله عليه وسلّم: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) - وكذلك لفظ (الولي) في بعض الروايات- أي: من كنت ناصره على دينه وحاميًا عنه بظاهري وباطني وسري وعلانيتي فعليّ ناصره على هذا السبيل، فتكون فائدة ذلك الإخبار عن أن باطن عليّ وظاهره في نصرة الدين والمؤمنين ومحبتهم سواء، والقطع على سريرته وعلو رتبته، وليس يعتقد ذلك في كل ناصر للمؤمنين؛ لأنه قد ينصر الناصر بظاهره فقط، وهو ما ظنه بعليّ بعض الصحابة ممن كان معه بأرض اليمن وغيرهم، فاحتاج ذلك إلى البيان من النبي صلّى الله عليه وسلّم بما لا محيد عنه، وإلاّ لو ترك ذلك وظن أنه من الواضحات البديهيات -كما يدعيه هذا الجاهل وأصحابه- لما أزيح ما كان في نفوس كثير من الناس عن عليّ رضي الله عنه، فبعد أن بين صلّى الله عليه وسلّم صدق عليّ ومحبته ونصرته للمؤمنين أمر بمحبته رضي الله عنه -فضلًا عن النهي عن بغضه- ونصرته، وهو ما يحتمله أيضًا هذا الحديث، فأيضًا قوله: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) أي: من كنت محبوبًا عنده ومنصورًا له فعليّ كذلك. ولا يفوتنا أن ننبه أنه ليس من نصرة عليّ رضي الله عنه نصرته على توليته الخلافة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإن هذا أمر لم يستحقه -رضي الله عنه- بل ولم يدّعه هو أصلًا، ومن قال بادعائه لها فقد كذب عليه، حتى إذا آلت إليه الخلافة واستحقها بعد مقتل عثمان رضي الله عنه كانت نصرته في ذلك مشروعة وواجبة، وهذا مذهب أهل السنة والحمد لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت