الصفحة 166 من 366

جاء الحديث بلفظ (الولي) وبلفظ (المولى) أيضًا، والمولى بمعنى الولي أيضًا، وهما واحد في كلام العرب، والمولى في الدين هو الولي، كما الله تعالى: (( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ ) ) [محمد:11] . وإذا تقرر أن (المولى) هو (الولي) ، فالولي له عدة معان (1) يمكن جمعها في: النصير، والمحب، والصديق، والحليف، والصهر، والجار، والتابع، والمطيع، والمعتق، وكل من ولي أمرًا أو قام به. وينفرد (المولى) بمعانٍ لا تستقيم هنا مثل: الرب، والمالك، والنزيل، والقريب من العصبة، والعبد، والذي أسلم على يديك ويواليك. ولعدم ورود هذه المعاني هنا فلا حاجة بنا إلى مناقشتها، كما لا حاجة بنا إلى مناقشة بعض معاني (الولي) المتقدمة، لعدم استقامتها هنا مثل: الصديق، والحليف، والصهر، والجار، والتابع، والمطيع، والمعتق. وتبقى من معاني (الولي) القائمة للمناقشة هنا: (النصير والمحب) ، وهذا الذي نقول به وسنثبته إن شاء الله، وكذلك (ولاية الأمر أو القيام به) . ولكن قبل تفصيل ذلك لا بد لنا من وقفة قصيرة عند هذا الحديث واستدلال الشّيعة به، فاستدلالهم به نظير استدلالاتهم الأخرى هم وجميع المبتدعة الآخرين، كالخوارج والمعتزلة والقدرية وغيرهم، إذ هو استدلالٌ بنصوص عامة تحمل عدّة معان، وهم بأهوائهم الفاسدة يقدمون المعنى الذي يريدون، معرضين عن النصوص الصحيحة الصريحة في تقرير المطلوب، والتي لا يسع أحدًا تحريفها أو تغيير معناها، وهذا شأن كل أهل الضلال من المبتدعة وغيرهم، وهم في ذلك كما وصفهم الله تبارك وتعالى في قوله: (( هُوَ الَّذِي أنزل عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) ) [آل عمران:7] . وجميع النصوص التي سبق إيرادها من قبل هذا الموسوي إما صريحة غير صحيحة بل باطلة موضوعة، أو صحيحة غير صريحة في مطلوبه، كما هو حال حديثنا هذا.

وإذا كان اللفظ يحمل عدّة معانٍ متباينة، فلا يمكن ترجيح أحدها على ما سواه إلاّ بقرينة صحيحة صالحة لذلك، ومن طالع كلام هذا الموسوي في هذه المراجعة وجده قد ذكر ما يزعم أنه قرينة للمعنى الذي ادّعاه، ويمكن تقسيمه إلى أربع نقاط:

النقطة الأولى: زعمه إفادته للحصر بقوله: (وهو وليكم بعدي) ثم تقريره عدم إعمال الحصر إلاّ على المعنى الذي ذهب إليه، وهذه حجة أوهى من خيط العنكبوت، فليست هذه الصيغة للحصر أصلًا ولا موضوعة له، ولم يقل به أحد من أهل هذا الشأن، اللهم إلاّ إذا كانت هناك قرائن في نفس السياق تفيد ذلك، وهو أمر معدوم هنا كما هو واضح. ثم إن الحديث بهذا اللفظ غير صحيح، بل ضعيف مردود كما فصلناه في الرد على المراجعة (34) وخلال الكلام على الأحاديث التي جاءت بهذا اللفظ في المراجعة السابقة. فلم يروه بهذا اللفظ إلاّ رواة من الشّيعة، فلا يؤمن تفردهم بذلك- وإن كانوا ثقاتٍ- فقد روى هذا الحديث رواة ثقات كثيرون غيرهم، لكن أحدًا منهم لم يذكره بهذا اللفظ مما يبيّن عدم صحته. ونحن بهذا لا نتهم هؤلاء الرواة الشّيعة في اختلاقه، بل في عدم تثبتهم في روايته أو على الأقل روايته بالمعنى الذي فهموه به، وقد قدمنا عن علماء الحديث تقريرهم لعدم الاحتجاج بحديث المبتدع- وإن كان ثقة- فيما يدخل في بدعته ويقويها (2) .

النقطة الثانية: زعمه أن لا ميزة ولا مزية أراد النبي صلّى الله عليه وسلّم إثباتها في هذه الأحاديث لعليّ إذا كان (الولي) هو (النصير أو المحب) وأن هذا من قبيل الواضحات البديهيات.

وهذه حجة من قبيل حجج الأميين السذج، فإن محبة عليّ رضي الله عنه ونصرته للمؤمنين وولايته لهم- بهذا المعنى- لم تكن واضحة ولا بديهية قبل هذا الحديث، خصوصًا عند من كان معه بأرض اليمن، وقد مرّ ذلك واضحًا وصريحًا في أحايث بريدة بن الحصيب، وعمران بن حصين، وعمرو بن شاس، ووهب بن حمزة التي ذكرها هذا الموسوي نفسه في المراجعة السابقة، وفي غيرها من الأحاديث كذلك.

(1) انظر (لسان العرب) (20/288-293) ، (المعجم الوسيط) (2/1070) .

(2) انظر الرد على المراجعة (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت