الصفحة 16 من 366

ومن طرق حديث غدير خم ما أخرجه مسلم (2408) ، وأحمد (4/366-367) ، والطبراني في الكبير (5026، 5027، 5028) ، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمّا بعد.. ألا أيّها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به) فحثّ على كتاب ورغّب فيه ثم قال: (وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي) .

فهذه الرواية الصحيحة لحديث غدير خُم عن زيد بن أرقم تبين ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم بذكر أهل بيته، وذلك ليوصي المسلمين بهم لا لإيجاب اتّباعهم والتّمسّك بهديهم وحدهم، بل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحث على اتّباع هدي أهل البيت- على افتراضه- فهو من قبيل ما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم بالأمر بالتّمسّك بسنّته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، إذ قال: (عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ) ، ومن قبيل قوله صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد عمّار) ، وفي بعض ألفاظه قال: (إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) (1) .

فإن كان هذا الموسوي- صاحبَ المراجعات- يستشهد بحديث صريح غير صحيح في ذلك رددناه إلى ما صحّ من الأحاديث وبينا ألفاظها.

ومع أن الأمر بالاقتداء أقوى من الأمر بالتّمسّك بالهدي والسنة، إذ الأمر بالاقتداء يشمل حتى الأفعال بخلاف اتباع الهدي والسنة، فأمرَ صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بأبي بكر وعمر، وحث على التمسك بهدي غيرهم وسنته من الصحابة وأهل البيت، أقول: مع أن الأمر كذلك فلم يقل أحد من أهل العلم بوجوب اتّباع أبي بكر وعمر والاقتداء بهم وحدهم لذواتهم ولم يجعل ذلك من أصول الإسلام، فكيف يُقال بوجوب التمسك بهدي أهل البيت- لوحدهم ودون الرجوع إلى ما صحّ من سنّة النبي صلى الله عليه وسلم -استنادًا إلى حديث- لو صحّ- فهو دون الأحاديث التي تأمر بالتمسك بهدي أبي بكر وعمر بل والاقتداء بهم.

وممّا صح من طرق حديث زيد بن أرقم ما أخرجه الإمام أحمد (4/371) ، والطبراني في الكبير (5040) عن عليّ بن ربيعة قال: لقيتُ زيد بن الأرقم داخلًا على المختار أو خارجًا من عنده فقلت له: حديثًا بلغني عنك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) ؟ قال: نعم..

فهذا حديث صحيح يوافق حديث مسلم السابق. بل هو قطعة منه.

وروي حديث زيد بن أرقم بلفظ آخر أخرجه الطبراني في الكبير (2681، 4971) من طريق حكيم بن جبير- وهو ضعيف- عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين) فنادى منادٍ: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: (كتاب الله، طرفٌ بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلّوا، والآخر عترتي، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض.. الحديث) وإسناده ضعيف كما قلنا، وما يصحّ من بعض ألفاظه لشواهده ليس فيه الأمر بالتمسك بالعترة، بل فيه أن الثقلين هما كتاب الله تعالى والعترة، وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليه الحوض صلى الله عليه وسلم.

وهذا معنى صحيح ثبت في حديث آخر صحيح أخرجه الطبراني في الكبير (4980، 4981، 4982) ، والحاكم (3/148) ، وهو الذي ذكره صاحب المراجعات (ص:49-50) هامش (4) ، لكن لفظه- كما قلنا- لا يدل على مطلوبه من وجوب التمسك بهدي العترة لوحدهم.

ويبدو أن هذا الموسوي لا يحسن الاستدلال على مطلوبه مع ما عنده من التدليس والكذب، إذ قال في هامش (3) (ص:49) : (أخرجه الإمام أحمد من حديث زيد بن ثابت بطريقين صحيحين، أحدهما في أول صفحة(182) والثاني في آخر صفحة (189) من الجزء الخامس من مسنده) كذا قال، والأمر ليس كذلك، فقد أخرجه الإمام أحمد (5/181-182، 189) نعم لكنّه ليس بإسنادين بل هو إسناد واحد أعاده في الموضعين، ثم هو ليس صحيحًا كما ادعى، ففي سنده علّتان: أولاهما: شريك القاضي في حفظه سوء يمنع من تصحيح حديثه، والثانية فيه القاسم بن حسن، قال البخاري: لا يُعرف، وكذا قال ابن القطان.

(1) انظر مسند الإمام أحمد (5/385، 399) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت