الصفحة 15 من 366

حديث جابر الذي ذكره ليس عند النسائي - كما زعم- بل أخرجه الترمذي (4/324) والطبراني في الكبير (2680) ، من طريق زيد بن الحسن الأنماطي عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر. وإسناده ضعيف لضعف زيد بن الحسن هذا كما قال الحافظ في التقريب، وقال أبو حاتم: منكرالحديث، فالحديث باطل لا يثبت.

حديث زيد بن أرقم هذا أخرجه الترمذي (4/343) من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم، وهذا إسناد لا يصح، فيه علتان: الأولى: تدليس الأعمش وقد عنعنه، والثانية: حبيب بن أبي ثابت كان كثير الإرسال والتدليس، بل تدليسه أسوأ من تدليس الأعمش! كما بينه الحافظ في طبقات المدلّسين، وهو يُرسل أيضًا.

وممّا يؤيد وجود انقطاع في هذا الإسناد أن له إسنادًا آخر أصحّ من هذا عند الطبراني في الكبير (4969) . والحاكم (3/109) عن الأعمش، ثنا حبيب بن أبي ثابت عن عامر بن وائلة -أبو الطفيل- عن زيد بن أرقم، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. قلت: وهنا صرح الأعمش بالتحديث فانتفت بذلك شبهة تدليسه، وأما حبيب بن أبي ثابت فقد بين هنا الواسطة بينه وبين زيد بن أرقم وهو عامر بن وائلة مع بقاء علّة تدليسه، وهذا الحديث هو الذي أشار إليه هذا الموسوي في صفحة (50) هامش (6) ، وجزم بصحته معتمدًا على تصحيح الحاكم، لكن لفظه لا يدل على مطلوبه، فليس فيه حتى التّمسّك بالعترة، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (إني قد تركتُ فيكم الثقلين؛ أحدهما أكبر من الآخر؛ كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض) فاللفظ الذي يوافق هوى الشيعة -الأول- غير صحيح، واللفظ الصحيح ليس فيه ما يؤيد مذهبهم، ولله الحمد.

ثم إن حديث الترمذي- بالإسناد الأول- لو صح فليس فيه دليل على ما زعم من وجوب اتباع أهل البيت والتمسك بهديهم، فلفظه (ما إن تمسّكتم به...) ثم ذكر كتاب الله، والضمير مفرد (به) ولو كان التّمسّك بهدي أهل البيت معطوفًا على الكتاب لكان لفظ الحديث (بهما) ، لكن ذكر أهل البيت فيه من أجل توصية الأمة بهم وتوقيرهم واحترامهم، كما هو واضح في رواية مسلم الآتية.

وحديث زيد بن أرقم هذا هو ما يعرف بحديث غدير خُم، وله طرق أخرى وألفاظ، وهي جميعًا ما بين صحيح غير صريح- كما في رواية مسلم- وما بين صريح غير صحيح- كما في الروايات الأخرى-.

وغدير خم مكان بين مكة والمدينة قريب من الجحفة، خطب به النبي صلى الله عليه وسلم مرجعه من حجة الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة وكان يوم الأحد، وسبب الخطبة كما رواها غيرواحد من أصحاب السير والمغازي كابن إسحق (1) ، (أن عليًا رضي الله عنه لما أقبل من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، تعجّل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على من معه رجلًا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسى كلّ رجل من القوم حُلّةً من البَز الذي كان مع علي، فلما دنا جيشُه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، فقال: ويلكَ ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجمّلوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك انزع قبل أن ينتهي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانترع الحُلَل من الناس فردها في البز، وأظهر الجيشُ شكواه لما صنع بهم) اهـ. قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (5/106) : (والمقصود أن عليًّا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة، واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه، وعليّ معذور فيما فعل، لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج، فلذلك -والله أعلم- لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجّته وتفرّغ من مناسكه ورجع إلى المدينة فمر بغدير خم، قام في الناس خطيبًا فبرّأ ساحة عليّ، ورفع من قدره، ونبّه على فضله ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس) اهـ.

هذا هو سبب خطبة الغدير وسبب توصية النبيّ صلى الله عليه وسلم بعليّ وباقي أهل بيته، وليست التوصية بهم في حجّة الوداع كما يزعمه بعض الجهلة، وسيأتي تفصيله في المراجعة (54) ، وقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالناس في عرفات خطبةً عظيمة، وأوصى فيها حتى بالنساء، وليس فيها الأمر بالتّمسّك بالعترة، بل قال فيها: (تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به، كتاب الله) (2) . فليس فيها ذكر الاعتصام والتمسك بمذهب العترة كما يزعم هذا الموسوي، ولو كان ذلك أصلًا صحيحًا لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته هذه وهو يبين للأمة ما يعصمهم من الضلال، ولا يمكن أن يكون أغفله، فلما لم يذكره علم أنه غير مشروع أصلًا.

(1) وانظر البداية والنهاية (5/208-209) .

(2) انظر صحيح مسلم (2/890) ، وسنن أبي داود (1905) ، سنن ابن ماجة (3074) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت