والمهم هنا أنه لم يدّع صحّة ما ساقه فيه من الأحاديث والآثار ولم يلتزم ذلك، بل تجده كثيرًا ما يورد حديثًا أو أثرًا وينبّه إلى ضعفه وسقوطه عن الاحتجاج -كما سننقله عنه إن شاء الله- شأنه في ذلك شأن معظم علماء عصره في تصانيفيهم، يكون همّهم ذكر واستقصاء ما ورد في تلك المسألة، تاركين تصحيحها وبيان ثبوتها، إما اكتفاء بذكر إسنادها، أو اعتمادًا على أقوال أصحاب العلم في ذلك في مواضع أخرى، ثم إن هذه الطريقة الوحيدة التي أمكننا بواسطتها معرفة الصحيح والثابت ومعرفة الضعيف والمردود والمكذوب، ولو اقتصر أهل السنة على ما صحّ عندهم لما أمكنهم تمييز الحق من الباطل من أقوال أهل البدع.
والذي ينبغي لنا بيانه: أن يعلم بأن أهل السنة لا يقولون بصحّة أحاديث كتاب سوى الصحيحين البخاري ومسلم، وما سوى ذلك خاضع للدراسة والتمحيص، ولا يمكن أحد أن يُلزمهم به حتى يصحّ عندهم ويثبت.
وأمّا ما نقله من الصواعق المحرقة في هذه المراجعة فأوله قول ابن عباس رضي الله عنهما: (نحن أهل البيت شجرة النبوّة...) الذي نقله في الهامش، (12/46) وقد كفانا ابن حجر مئونة ردّه إذ قال: (وجاء عن ابن عباس بسند ضعيف أنه قال...) فتعمّد في إخفائه هذا الموسوي لأنه يسقط حجيّته.
والثاني: قول علي رضي الله عنه (15/47) ، وقد كفانا ابن حجر- رحمه الله- مئونة ردّه إذ قال: (عن عليّ بسند ضعيف) فها هو ابن حجر يضعّفه فأين الحجّة فيه يا موسوي؟
والثالث: قول الحسن بن علي رضي الله عنهما، (16/47) وقد اختصر هذا الموسوي عبارة ابن حجر اختصارًا سيئًا، وإليك نصّ كلامِه: (وقد صرح الحسن رضي الله عنه بذلك، فإنّه حين استخلف وثب عليه رجلٌ من بني أسد فطعنه وهو ساجد بخنجر لم يبلغ منه مبلغًا، ولذا عاش بعده عشر سنين، فقال: يا أهل العراق اتّقوا الله فينا، فإنّا أمراؤكم وضيفانكم...) اهـ. فأولًا: هذا القول موجّه إلى أهل العراق ليس عامًّا إلى الكلّ، وثانيًا -وهو المهم-: أنه قال ذلك حين استخلف، فقوله: (إنا أمراؤكم) باعتبار أنه أمير عليهم، وهو يصحّ من كل من كان أميرًا على قوم، وإن لم يبلغ من الصلاح والتقوى والعلم ما يؤهله لذلك، فإنّما هو إخبار عن ولايته علهيم ليس إلاّ، وأنه يجب عليهم -باعتبار ذلك- طاعته في المعروف.
لكن هذا الموسوي تصرّف في النص بما يوافق هواه، موهِمًا أنه قال ذلك على وجه العموم، وهذا كله على فرض ثبوت ذلك عن الحسن رضي الله عنه، إذ لم يبينه ابن حجر ولم يذكر إسناده.
والرابع: قول زين العابدين (17/48) ، وقد ذكره ابن حجر دون بيان صحّته ولا إسناده أيضًا سوى عزوه للثعلبي في تفسيره، وهو لا يغني شيئًا؛ فالثعلبي كحاطب بليل- كما قال شيخ الإسلام- وكثيرًا ما يروي الموضوعات المكذوبات، كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله. ثم إنه لا حجة علينا بقول زين العابدين.
المراجعة (7) : س:
شيخ الأزهر يطلب البينة من كلام الله ورسوله.
تقريره بأن الاحتجاج بكلام أئمة أهل البيت دوري.
المراجعة (8) : ش:
زعمه ورود الأدلة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكره حديث الثقلين بألفاظ مختلفة وادّعاؤه تواتره.
سرد أحاديث أخرى في وجوب الأخذ بمذهب أهل البيت.
استخراجه لبعض الدلائل من تلك النّصوص المزعومة.
الردّ على المراجعة (8) :
طريقته القاصرة والخاطئة في تخريج الأحاديث.
طعنه بالصحابة رضوان الله عليهم.
الكلام بالتفصيل عن الأدلة التي ساقها، مع كلمة عن حديث الغدير.
كشف بعض الطامات والتناقضات في كلامه هنا.
قبل الكلام على الأدلة التي ذكرها مفصّلة أحب أن أشير إلى أن طريقة تخريجه لهذه الأحاديث طريقة خاطئة وقاصرة، وتدل على عدم معرفته بطريقة عزو النّصوص الشرعية إلى أمّهاتها، أو تعمّده في ذلك حتى يضيع على الباحث الموضع الصحيح للحديث رغبه منه في تعمية إسناده، الأمر الذي نبّهنا عليه في بداية الكتاب حين علقنا على ما جاء في حياة المؤلف، فالأولى بالباحث المنصف صاحب العلم أن يرجع إلى المصادر الأصلية، إلا إذا تعذّر عليه فحين ذلك يصرح به ويذكره.
وقوله في الفقرة الثالثة من هذه المراجعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (أهاب في الجاهلين وصرخ في الغافلين…) يدلّ على انتقاصه للصحابة رضوان الله عليهم، ويدل على اعتقادهم ومذهبهم في الصحابة أنهم جاهلون غافلون إلا عليًّا، وهذا القول منهم في صحابة نبي هذه الأمة لم تقله اليهود ولا النصارى، ولم تتجرأ عليه في صحابة أنبيائهم، وهو قول يؤدي في النهاية- سواء قصدوا ذلك أم لا- إلى القدح في النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال بعض أئمة السلف: هؤلاء قدحوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يُقال رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان له أصحاب صالحون.
وأبتدئ الآن بسرد الأحاديث التي استشهد بها والكلام عليها، مشيرًا إلى موضعها عن طريق ذكر الصفحة التي هي فيها بعد ذكر رقم الهامش الخاص.