وأهم ما نجده من أسباب للشك في نسبة النّصوص الواردة في كتاب نهج البلاغة عند القدماء والمحدثين ما يلي... ثم ساق الدكتور صبري عشرة أسباب لذلك ننقلها من كلامه بشيء من الاختصار والتصرّف:
إن في الكتاب من التعريض بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يصحّ نسبته إلى عليّ رضي الله عنه.
وهو ما قرّره الحافظ ابن حجر في اللسان (4/223) بقوله: (ففيه السبّ الصراح والحطّ على السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما) .
إنّ فيه من السجع والتنميق اللفظي وآثار الصنعة ما لم يعهده عهد عليّ ولا عرفَه.
إنّ فيه من دقة الوصف واستفراغ صفات الموصوف، كما تراه في الخفاش والطاووس وغير ذلك مما لم تعرفه العرب إلاّ بعد تعريب كتب اليونان والفرس الأدبية والحكمية.
إنّ فيه بعض الألفاظ الاصطلاحية التي لم تعرف إلا من بعد؛ كالأين والكيف، وكاصطلاحات المتكلّمين وأصحاب المقولات مثل: المحسوسات والصفات الذاتية والجسمانية.
إنّ فيه ما يُشَمّ منه ريح ادّعاء صاحبه علم الغيب.
إنّ في خطبه مقاطع طويلة وقصيرة تروى على وجهين مختلفين يتّفقان في المعنى، ولكن يختلفان في اللفظ.
خلوّ الكتب الأدبية والتاريخية التي ظهرت قبل الشريف الرضي من كثير مما في النهج.
طول الكلام غير المعهود في ذلك الوقت كما في عهده إلى الأشتر النخعي، والمعروف عن عليّ رضي الله عنه التوسّط إن لم يكن الإيجاز.
ما في الكتاب من الخطب الكثيرة والرسائل المتعددة التي من الواضح أنها مختلقة لأغراض مذهبية شيعية.
عدم ذكر المصادر المنقول منها خطب علي رضي الله عنه ولا الشيوخ الذين رووا ذلك.
ثم ساق الدكتور صبري جواب أئمة الشيعة وغيرهم ممن يدّعي صحة نسبة ما في الكتاب إلى عليّ رضي الله عنه، عن هذه الشبهات بالتفصيل، (ص:28-65) ونقضها، وبين استقامة هذه الشبهات وكونها أسبابًا حقيقية واقعية تمنع من نسبة معظم ما في الكتاب إلى عليّ رضي الله عنه (ص:65-79) . وكان من كلامه أن قال (ص:67) : (وإذا كان بعض هؤلاء ممّن ينتسبون إلى مذهب الشيعة قد وصل به الأمر إلى الكذب على الله تعالى والخوض في آياته؛ أفلا نتصوّر بعد هذا أن يكون البعض قد خاض أيضًا في خطب عليّ فضمّ اليها ما ليس له؟ ولماذا لا نجد مثل هذه الخطب إلاّ في كتب الشيعة والمتأخرين منهم ولا نجد لها ذكرًا في كتب السنّة؟ ولماذا لم نعثر على كثير من هذه الخطب في بطون الكتب الأدبية المعروفة؟ وما الذي يضير عليًا ألاّ يكون له مثل هذا الكم الهائل من الخطب غير المعروفة المصدر أو الرواية؟) .
ثم بين الدكتور صبري بحجج واضحة أن كثيرًا مما أسند إلى علي في النهج من خطب ورسائل وحكم، تثبت نسبتها لآخرين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، بل تجاوز الأمر هذه العهود إلى عهود متأخرة كالخليفة المأمون، وأكثر من ذلك نسبة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إليه أو حتى أقوال المسيح عليه السّلام، وكل هذا بإقرار المحققين من السنة والشّيعة على السواء، بل من أئمة الشيعة الكثيرين أقروا بنسبة كثير منها إلى غير عليّ رضي الله عنه، وهو ما نقله عنهم الدكتور صبري (ص:68-77) .
وأخيرًا يخلص الدكتور في نتائج توثيقه (ص:81) إلى أن أكثر من نصف الخطب في النهج لم تثبت صحة نسبتها إلى علي رضي الله عنه، وأن حوالي ثلث ما فيه من الرسائل كذلك، وأكثر من ثلثي الحكم فيه لم تثبت صحة نسبتها إليه، وكذلك أكثر من نصف الغريب من الكلام فيه.
وبعد.. فهل يُمكن لأحد أن يحتجّ بما في نهج البلاغة خصوصًا على أهل السنة بعد هذا التحقيق الوافي؟
فنحن نرد عليه وننازعه بعدم صحة هذا القول عن علي، وإلاّ فليظهر لنا إسنادًا صحيحًا له، إذ سيقت كلُّ هذه الخطب في ذلك الكتاب بلا إسناد مثلها مثل حاطبٍ بليل، ثم ننازعه في صحّة قوله رضي الله عنه في مثل هذه المسألة المهمّة، شأنه في ذلك شأن غيره من الصحابة والتابعين، ونحن نقول: كلّ رجل يؤخذ منه ويُرد عليه إلاّ رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما قال سلفنا الصالح- فما هي الحجّة بقول عليّ؟
ولا يكفي لإثبات حجّية مثل هذا القول ما أشار إليه من الأدلّة على ذلك إجمالًا، ناسبًا إياها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تركنا الجواب عليها حتى يذكرها مفصلة بعد ذلك.
2-غير أنه أشار في بعض هوامشه إلى نقله من كتاب: الصواعق المحرقة في الرّدّ على أهل البدع والزّندقة للحافظ أحمد بن حجر الهيثمي، وسيتكرر نقله منه كثيرًا؛ مما يحتم علينا بيان حقيقة الكتاب.. قال ابن حجر في مقدمة كتابه أنه صنّف كتابًا في حقيقة خلافة أبي بكر وإمارة عمر رضي الله عنهما، وأنه بعد مدّة طلب منه قراءته في المسجد الحرام، وذلك سنة خمسين وتسعمائة؛ لكثرة الشيعة والرافضة هناك في ذلك الوقت، ثم سنح له أن يزيد عليه أضعاف ما فيه من فضائل الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وما يتبع ذلك من فضائل الحسن وأهل البيت.