2-افتراضه بأن أهل السنة يقولون بوجوب التّمسّك بمذهب الأئمة الأربعة غير صحيح، ويدلّ على قلّة علمه وفهمه، بل هو شيء لا تفيده حتى عبارة خصمه في الكتاب، فليس عند أهل السنة وجوب اتّباع أحد إلاّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قال غير ذلك منهم أو من غيرهم فقد أخطأ وأبعد النجعة، ومن تقوّل ذلك عليهم فمن سوء فهمه أو مقصده أُتي، أو إنه اعتمد على أناسٍ غير محققين منهم فنقل قولهم المرجوح. فخلاف أهل السنة مع أهل الرفض والتشيّع، ومع غيرهم من أهل البدع إنما هو في الفهم السليم للدليل الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي أمر صغير أو كبير، سواء في ذلك الأصول أو الفروع على حدّ تعبيرهم، لذا فلا يرد علينا قوله بعدم وجود دليل صحيح على وجوب اتباع الأئمة الأربعة أو غيرهم من أئمة أهل السنة، وما حصل من اتباعنا للأئمة الأربعة أو أحدهم في أي أمر من أمور الشريعة فذلك لصحّة الدليل عندهم في ذلك الأمر لا لذاتهم كما يفعله المقلّدون لهم، وكما تفعله الشيعة بأئمتها سواء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مختصر منهاج السنة المسمى: المنتقى من منهاج الاعتدال (ص:189) : (والناس لم يأخذوا قول مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلاّ لكونهم يسندون أقوالهم إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هؤلاء من أعلم الناس بما جاء به وأتبعهم لذلك وأشدّهم اجتهادًا في معرفة ذلك واتّباعِهِ، وإلاّ فأيّ غرض للناس في تعظيم هؤلاء؟ وعامّة الأحاديث التي يرويها هؤلاء يرويها أمثالهم، وكذلك عامة ما يجيبون به من المسائل كقول أمثالهم، ولا يجعل أهل السنة قول واحدٍ من هؤلاء معصومًا يجب اتّباعه، بل إذا تنازعوا في شيءٍ ردّوه إلى الله والرسول) اهـ. وقال في (ص:191) : (ولولا أن الناس وجدوا عند مالك والشافعي وأحمد أكثر ممّا وجدوه عند موسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ لما عدَلوا عن هؤلاء) اهـ.
3-أشارت عبارته في الفقرة الثالثة هنا إلى تفضيله لأهل القرون الثلاثة على غيرهم ورضائه عنهم، وهو أمرٌ يصطنعه لا حقيقة له عنده ولا عند أصحابه، وكان الأجدر بهم- هو وأصحابه- لو استحضروا هذا الموقف من القرون الثلاثة في باقي المسائل ولم يُعرِضوا عنها إلى أقوال أئمتهم- غير الصحيحة- وأقول: لو كان أحدٌ يبغض مذهب السلف والقرون الثلاثة خصوصًا ويلعنهم فهم الشيعة لا غيرهم (1) .
المراجعة (5) : س:
1-اعتراف شيخ الأزهر بصحّة قوله.
2-التماس شيخ الأزهر الدليل على سبيل التفصيل في مسألة وجوب الأخذ بمذهب أهل البيت.
المراجعة (6) : ش:
1-الإشارة الإجمالية إلى أدلّة وجوب الأخذ بمذهب أهل البيت.
2-احتجاجه بأقوال علي زين العابدين نقلًا عن نهج البلاغة والصواعق المحرقة.
الردّ على المراجعة (6) :
هذه الأقوال بحاجة إلى تصحيح نسبتها أولًا، ثم إثبات كونها حجّة ثانيًا، مع كلمة عن نهج البلاغة.
التعريف بكتاب: الصواعق المحرقة وقيمته العلمية، ثم التعقيب على النّصوص المنقولة منه هنا.
جميع ما ذكره في هذه المراجعة (ص:44-48) من الأدلة إنما هو منقول من كتابهم نهج البلاغة، فهو يحتاج أولًا إلى تصحيح نسبة هذا الكلام إلى عليّ رضي الله عنه، بذكر إسناد له ولو واحد وتبيين صحته.. هذا أولًا.
وثانيًا: يحتاج إلى دليل آخر خارجي يثبت حجّية قول عليّ رضي الله عنه- وكذا قول غيره من الصحابة على السواء- خصوصًا في مثل هذه المسألة المهمة.
ولا بد من وقفة نبين فيها حقيقة هذا الكتاب (نهج البلاغة) وصحّة نسبة النّصوص الواردة فيه إلى عليّ رضي الله عنه، وقد قام بذلك خير قيام الدكتور صبري إبراهيم السّيّد، في تحقيقه وتوثيقه للنهج ببحث يمتاز بالدقة والصبر والتأنّي- كما وصفه مقدّمه الأستاذ المحقق عبد السّلام محمّد هارون- فبعد أن أثبت نسبة نهج البلاغة إلى الشريف الرضي لا إلى أخيه الشريف المرتضى قال (ص:19-20) : (كانت نسبة ما في نهج البلاغة إلى الإمام عليّ مثارًا للشكّ عند العلماء والباحثين، المتقدمين والمتأخرين على مرّ العصور، كما أثار الجدل حول النّصوص ذاتها التي حواها الكتاب، فكثير من علماء القرن السادس الهجري كانوا يزعمون أن معظم ما في نهج البلاغة لا يصحّ إلى عليّ بن أبي طالب وإنما ألّفه قومٌ من فصحاء الشيعة، من بينهم السيد الرضي. ولعل ابن خلّكان أول من أثار الشكوك في قلوب الباحثين بنسبة الكتاب إلى الشريف المرتضى تأليفًا؛ ثم جاء من بعده الصفدي، وغيرُه من كتّاب التراجم فتابعوه على ذلك، وحينئذٍ قويَ الشك وتمكّن. يقول ابن خلكان:(وقد قيل إنه ليس من كلام عليّ وإنما الذي جمعه ونسَبه إليه هو الذي وضعه) (2) . ويقول الذهبي: (ومَن طالع كتاب نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه) (3) .
(1) وانظر تفصيل هذه المسألة في الجزء الثاني في ردّنا على المراجعة: (52) .
(2) وفيات الأعيان) (3/416) .
(3) الميزان) (3/124) .