والمقصود أن يجمع العبد بين هاتين العبادتين:الخوف والرجاء وليغلب إحداهما على الأخرى حسب الشعور الذي ينتابه في تلك اللحظات المهيبة .
(3) ومن المعاني العظيمة التي تتجلى في موقف عرفة:ذلك المشهد العظيم الذي يذكر بالموقف الأكبر يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيقفون خمسين ألف سنة، وهم في العرق على قدر أعمالهم ـ كما ثبت في الصحيح ـ !
نعم !! إنه موقف مؤثر والله،ويزداد تأثيره في النفس حينما يرى الإنسان انصراف الناس من موقف عرفة، ويتذكر بذلك انصراف الناس من الموقف الأكبر: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير !
ويتذكر ذلك ـ أيضًا ـ حينما ينصرف الناس من حجهم إلى بلدانهم:
أناسٌ مقبولون قد غفرت ذنوبهم، وآخرون يعودون إلى أوطانهم وليس لهم من حجهم إلا التعب والنصب ـ نسأل الله العافية والسلامة ـ !! فيالها من حسرة عظيمة إن لم يقبل من العبد عملُه.
وفي"السير"للذهبي: أن عمر بن ذر خرج إلى مكة، فكان إذا لبى لم يلب أحد أحسن من صوته، فلما أتى الحرم قال ـ مناجيا ربه ـ: ما زلنا نهبط حفرة ونصعد أكمة، ونعلو شرفا، ويبدو لنا عَلَمٌ (جبل) ، حتى أتيناك بها، فليس أعظم المؤنة علينا تعب أبداننا،ولا لإنفاق أموالنا، ولكن أعظم المؤنة أن نرجع بالخسران !! يا خير من نزل النازلون بفنائه !.
وفي الختام أعترف بأن الموضوع يستحق أكثر مما ذكر، وهناك جوانب تستحق الوقوف معها، لكن هذا ما تيسر عرضه في هذه الورقة .
أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا وسمعنا، وأن يتقبل من الجميع صالح أعمالهم، وأن ييسر للحجاج حجهم، وأن يتمم سعينا وسعيهم بالغفران ولقبول، وأن يجعل ما علمناه حجة لنا لا علينا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين .
(1) القاموس المحيط (435،436) مادة أثر .