ويخاف المؤمن حينما يتذكر أن الله شديد العقاب،ويغار على حرماته أن تنتهك، ويخاف أن تزل قدمه بعد ثبوتها أن يختم له بخاتمة سيئة !
ويخاف المؤمن وهو يتذكر تلك الأحوال التي وقعت لجماعات من السلف الصالح الذين كانوا أئمة في العلم والعمل، وأنهم ـ مع صلاحهم وتقواهم ـ يخافون الرد وعدم القبول ! ومن ذلك:
الموقف الذي وقع بين بكر بن عبدالله المزني، وعبدالله بن الشخير ـ وهما من سادات التابعين ـ حيث وقفا بعرفة، فقال أحدهما: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي، وقال الآخر:ما أشرفه من موقف وأرجاه لولا أني فيهم !
قال الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ معلقا: كذلك ينبغي للعبد أن يزري على نفسه ويهضمها (22) .
ووقف الفضيل بن عياض بعرفة والناس يدعون، وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: واخجلتاه منك وإن عفوت .
ومراده ـ رحمه الله ـ أني على خجل وحياء منك بسبب ذنوبي وإن عفوت عنها، وهذا ـ والله ـ مقام من الخوف رفيع (23) .
يقول ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ معلقا على هذا الموقف:"ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه وإن تاب منها وبكى عليها،وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة، وكأنهم قد قطعوا على ذلك، وهذا أمر غائب، ثم لو غفرت بقي الخجل من فعلها، ويؤيد الخوف بعد التوبة، أنه في الصحاح: أن الناس يأتون إلى آدم فيقولون اشفع لنا، فيقول:ذنبي ...إلى أن قال:فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم لم يكن أكثرها ذنوبا حقيقة،وثم إن كانت فقد تابوا منها واعتذروا،وهم بعد على خوف منها ...إلخ كلامه النفيس" (24) .
ووقف بعض الخائفين بعرفة إلى أن قرب غروب الشمس،فنادى:الأمان..الأمان قد دنا الانصراف،فليت شعري ما فعلت بحاجة المسكين !!
الأمان الأمان وزري ثقيل *** وذنوبي إذا عددن تطول
أوبقتني أوثقتني ذنوبي *** فتُرى إلى الخلاص سبيل ؟ (25)