ويبلغ التسليم منه المبلغ العظيم حينما عرض على ابنه إسماعيل أن يشاركه في الابتلاء، فقال له: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ؟ قال: يا أبت افعل ما تؤمر ) فلما حصل التسليم منهما لم يكن للذبح وإراقة الدم حاجة، لأن إبراهيم نجح في هذا الابتلاء ليعطي كل حنيف مسلمٍ درسا عظيما في صدق الامتثال، وسرعة المبادرة وإن كان ذلك بخلاف ما تهواه النفس .
إذا تبين هذا، فإن لهذه العبادة آثار عظيمة يجدر ألا تغيب عن بال المسلم حين يباشرها أو ينظر إليها، ومن ذلك:
1 ـ أن يحمد الله عز وجل أن جعله لا يذبح إلا له، في الوقت الذي يرى فيه أو يعلم عن أناس ممن ينتسبون إلى المسلمين يذبحون وينذرون الدماء لطوائف من المخلوقين:إما أولياء ـ وقد لا يكونون كذلك أصلا ـ أو جن أو غيرهم المخلوقين الذين صرف العبادة لهم شرك أكبر مخرج من الملة .
2 ـ وقفة تأمل مع عدد الإبل التي ذبحها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجته، وهي مائة ناقة !! ذبح منها ثلاثًا وستين بيده الشريفة، وأكمل الباقي علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .
ونحن نعلم أنه كان يكفيه لنسكه سبع بدنه أو شاة واحدة، فلماذا كل هذا ؟
ما هو ـ والله ـ إلا التعظيم لشعائر الله، وما هو إلا الجود والسخاء الذي عرف به - صلى الله عليه وسلم - وما هو ـ والله ـ إلا الانشراح والراحة التي يجدها بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - في التقرب إلى الله بهذه العبادة العظيمة: عبادةِ النحر، ووالله،لو كان يرضي ربه نحر نفسه لفعل،وهذا الشعور يجده الحجاج أيضا كلٌ بحسب ما يقوم بقلبه من اليقين، والتعظيم،والحب،وليس هذا فحسب:
فلو كان يرضي الله بذل نفوسهم *** لدانوا به طوعا وللأمر سلموا
كما بذلوا عند الجهاد نحورهم *** لأعدائه حتى جرى منهم الدمُ
ولكنهم دانوا بوضع رؤوسهم *** وذلك ذل للعبيد وميسم ُ (20)