2 ـ تأكيد الأمر العظيم، والأصل الأصيل، الذي هو أحد الأصول التي قام عليها هذا الدين، ألا وهو البراءة من المشركين في شعائرهم وأعيادهم وأخلاقهم ولباسهم وغير ذلك مما تميزوا به، وهذه البراءة تقتضي بغضهم وعداوتهم، وبغض ما هم عليه من كفر وشرك والحذر من التشبه بهم في أي شيء من خصائصهم، وليس هذا أمرا غريبا بل هو ملة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - الذي أعلنه صراحة في وجوه الكفار، كما قال الله - عز وجل - (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ) فهو يعلن عليه الصلاة والسلام أن العداوة والبغضاء لا أمد لها سوى الإيمان بالله وحده -عز وجل - وأن يكونوا حنفاء لله غير مشركين به، وقد سار على هذه الطريق ابنه الخليل الثاني نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فبعث أبا بكر - رضي الله عنه - عام تسعة من الهجرة ليعلن البراءة من المشركين، وألا يحج بعد هذا العام مشرك ـ كما في الصحيحين ـ من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - .
ومع وضوح مكانة هذا الأصل، وكونه من المسلمات في الشرع، حتى قال عنه بعض أهل العلم:"ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده" (19) .
أقول: مع وضوح مكانته من الدين إلا أننا -وللأسف- لازال بعض المسلمين أو ممن ينتسب إلى الإسلام من يخرق هذا الأصل العظيم: فمنم من يهون من شأن عداوة الكفار عموما أو من عداوة اليهود والنصارى على وجه الخصوص، حتى ظن بعضهم أنه يمكن أن نتقارب مع أهل الكتب السماوية المنسوخة بدين الإسلام، أو أنه يمكن أن نلتقي تحت مظلة الإنسانية .ومنهم من يظن أن المخرج لهذا التخلف الذي تعيشه أمة الإسلام هو السير في ركاب الغرب والشرق وأخذ جميع ما عندهم، من غير تمييز بين النافع والضار .