فإن قيل: ما الجواب عما ثبت في الصحيح من حديث يعلى ابن أُمية قال: (( جاء رجلٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرةٍ وهو متضمخٌ بطيب ؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساعة ، ثم أُوحي إليه ، ثم سُرّي عنه ، فقال: أين الذي سأل عن العمرة ؟ فأوتي برجل ، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبه ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك ) )فظاهر هذا الحديث أنه لا يجوز للإنسان أن يتطيب قبل الإحرام لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يغسل الطيب الذي عليه ثلاث مرات وأمره أن ينزع الجبة التي كان يلبسها فظاهر هذا المنع وهو ما تمسك به المالكية في نهيهم عن استدامة الطيب للمحرم ؟
قلنا الجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن قصة صاحب الجبة هذه كانت بعد حنين بالجعرانة سنة ثمان ، وقول عائشة - رضي الله عنها -: (( كنت أُطيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت ) )كان في حجة الوداع سنة عشر ، فحديث عائشة متأخر ، والعمل بالمتأخر واجب عند التعارض .
الوجه الثاني: أن هذا الرجل الذي سأل كان في جبته زعفران ، والزعفران منهيٌ عنه في حق الرجل سواءً كان في الإحرام أو في غيره ، كما قال في حديث ابن عمر: (( ولا يلبس ثوبًا مسه ورسٌ أو زعفران ) )لأن في بعض روايات حديث الجبة: (( عليه جبة بها أثر خلوق ) )وفي بعضها: (( عليه ردْع من زعفران ) )، فدّل على أن هذه الجبة كان فيها زعفران فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها وأمره أن يغسل بدنه .
الوجه الثالث: قيل إن هذا محمول على أن الرجل تطيب بعد الإحرام ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغسل ما به من الطيب وأن ينزع جبته ، وهذا الذي مال إليه النووي - رحمه الله تعالى - في المجموع وقال هو المتعين جمعًا بين الأحاديث .
مسألة: