وتحلّقوا حوله كلّ يريد نظرة، ولم يفزع منظره إلا الأطفال الذين كانوا يهربون صارخين مستنجدين عندما كان يدفع بهم الآباء والأمهات لنيل نظرة واستراق"تكشير"من جدهم العائد بعد غياب طويل..
وتدور الأحاديث مسترجعة أيام برهوم السابقة.
وكان أكثر الحاضرين فرحًا وألمًا"زلخة"شقيقة برهوم ورفيقة طفولته فقد امتزجت دموع الفرح والألم معًا، الفرح بعودته والاطمئنان إلى أنه يمتلك الآن فرصة التخلص من كثير من ذنبه ليحظى بجيل آخر أفضل حالًا وأحسن مآلًا؛ والألم لهذه القروح التي لا تدعه يستقر على جنب واحد وكأنه يتلوى من الألم الذي لا يستطيع التعبير عنه أحيانًا إلا بصوت"انتعاص"شديد يثير في من حوله كوامن الألم والجزع عليه، ومع ذلك كله فقد كانت سهرة ممتعة اجتمع فيها الأبناء والأحفاد"بالمقدم"الذي طالت غيبته..، وكانت أحاديث لم تخرج عن دائرة برهوم وأسقامه حتى استقر الرأي على استحضار طبيب يداوي جراحاته.
ولم تكد أول خيوط النور تؤذن بالفجر حتى كان ونوس يطرق باب"حامد الشوفير"الذي كان يستقبل زبائن هذا الوقت بالسباب والشتائم"من الزنّار ونازل"..
خرج حامد يفرك عينيه على أنغام شتائمه المميزة الشهيرة إلا أنه توقف فجأة عن ذلك لما رأى أن زبونه الثقيل ليس إلا ونوس فأقبل نحوه مستفسرًا عن حقيقة والده إذ لم يتمكن من زيارته وتهنئته بذلك لعودته متأخرًا من"الطليعي"قرب برج صافيتا إذ كان برفقة بيت أبي محمود معلاّ الذين قصدوا"المزار"استشفاءً لابنهم محمود المصاب بشلل الأطفال والذي كما قيل أعيا داؤه الطب والأطباء.. ولم يكد يعلم"حامد الشوفير"بمراد صيدقه ونوس حتى سارع إلى ارتداء ثيابه لمرافقة صاحبه إلى الدكتور في مدينة طرطوس..