يلاحظ ونوس وإخوته عظيم اهتمام أمهم بالكلب"فيلعب الفأر بعبهم" [تعبير شعبي يعبر عن التنبه إلى أمرٍ ما يستحق التفكير والمراقبة] ويتساءلون فيما بينهم:
ترى هل هذا الكلب هو أبونا لتصدق رؤيا عمتنا فيه؟ فقد رأته في منامها كلبًا يشكو مطاردة الناس له، ولا يجد ملاذًا يحميه غير خرائب قصر قديم..
وفي يوم من الأيام كان ونوس يحمل معه أحشاء دجاجة ذبحوها (بفصل رأسها عن جسدها باليد) لأنها مصابة"بالوجعة"ليقدمها للكلب. وقف إلى جانب أمه يراقبان معًا أكله. وما أشد دهشة ونوس حينما نظر إلى أمه فإذا عيناها تسقطان دمعًا سخيًا فيسألها:
ما الذي يبكيك يا أمي؟
"بيّك"يا عيني إنه لا يستطيع الأكل بارتياح فهذه القروح والجروح تمنعه من أخذ راحته والتمتع بحريته.. (وتتوقف عن الكلام وكأنها تخشى ألا يصدّق ونوس أن الكلب أبوه) ويدهشها ما رأت أشد الدهشة ويثير إعجابها ويبعث طمأنينتها: فقد هوى ونوس إلى الكلب يقبله ويقول:
(بيّي) كم كنا في اشتياق إليك، وانشغال فكرنا عليك، وخشينا ألا تكون قد شفيت من هذه القروح التي كانت سبب موتك.. أبشِر فأنا عند عينيك وغدًا صباحًا سوف أحضر لك الطبيب.
إنها كلمات أثلجت صدر أم ونوس، وأدخلت في نفسها الطمأنينة وبعثت في حناياها الارتياح فقالت:
الرب يرضى عنك يا ونوس.. أنت مرضيّ فقد كان أبوك يحبك كثيرًا، وها قده جاء دورك الآن لتقوم بالواجب نحوه.
ويرى ونوس أن من الواجب عليه القيام بإخبار أشقائه وشقيقاته وأقربائه، وهل هناك أجمل من البشرى يحملها آخر النهار لأخوته فيكون له شرف نقل هذا الخبر المفرح عن"مقدم"العائلة.
ولم يكد الخبر يصل إليهم حتى هبّوا مسرعين إلى منزل أمهم، كبارًا وصغارًا، حتى أن كلابهم تبعتهم تستوضح الخبر وكادت تقع في معركة مع"المقدم"لولا تدخل الجميع وقيامهم"بفض الاشتباك"المحتمل وطرد الكلاب كافة ما عدا حبيب القلوب، ومنعهم الدروب، الذي طالب انتظاره وتتابعت أطواره..