هذه القصص وأمثالها كانت أقدر على زرع الرعب في قلوب الشباب الذين كانوا يستاءلون عن جدوى أن يكون المرء نصيريًا.. وماذا تعني النصيرية التي يجتهدون في إخفائها؟ لقد كانوا يألمون كثيرًا عندما يسمعون الناس يقولون لهم:"الدين المخبأ صرماية عتيقة" [صرماية عتيقة: حذاء قديم مهترئ متقطع (عامية) ] وإذا حاولوا إظهار هذا الدين، كيلا يكون كذلك، فما الذين يقدمونه للناس غير الجهل والكفر والخرافات والضلال؟ وهل يصدق الناس أن الخالق هو علي بن أبي طالب؟ وأن عبد الله بن سبأ من النجباء؟ وأن.. وأن.. وأن..؟
ذهبت أم ونوس في خيالاتها مذاهب شتى حتى أنها طافت بذكرياتها حول بيت"الحاج عبد الكريم الضناوي"في طرابلس الشام حيث كانت تعمل خادمة عند هذه العائلة الطرابلسية المسلمة، إذ عاشت أجمل أيام حياتها وأعذبها، حينما كانت هذه العائلة الفاضلة المثقفة تعاملها بما لا يختلف عن معاملة أفرادها بعضهم بعضًا..
ولكن ماذا تفعل حين كان طيش الصبا دافعًا للارتماء في أحضان"برهوم"الذي كان يمتاز على شباب القرية بأنه يحمل أثقل"جرن"فيها غير أنه سرعان ما فقد بريقه وفتوته، وانهمك في تجميع المال من كل ناحية وبكل أسلوب، حتى أصبح كما قيل عنه"جلده محشوّ بالفلوس". ولقد لقيت منه شدة وعسفًا لا أنساه أبدًا ولكن.. تتنهد أم ونوس وتتمتم: لولا ذكريات تلحُّ عليَّ كانت معه لشمتُّ..
والتفتت نحو الكلب وقالت:
لشمتُّ بلك لأنك تقمصت كلبًا.. ولكني أرجو أن تتخلص من ذنوبك في هذا الجيل لتعود في الجيل التالي طفلًا جميلًا عند أسرة طيبة كأسرة الحاج عبد الكريم الضناوي، وبصورة آدمي..
وتذكرت أم ونوس أنها على موعد معه"أم إبراهيم نظلة"للذهاب إلى دكان"سلمان الراعي"لشراء"حنجور"فازلين لأن"القشب"أكل يديها. وتهم بالخروج من باب الدار إلا أنها تتذكر الكلب فتنظر إليه قائلة:
"بو ونوس"لن أغيب عنك كثيرًا.