وتواصل أم ونوس أفكارها مخاطبةً نفسها:
لقد فكر مخلوف بالفرار واعتناق الإسلام، لكنهم هددوه بالقتل وأن"الذباب الأزرق"لن يستطيع معرفة مصيره أو مكانه، وقالوا له: إنك بعد ذلك سوف تتقمص كلبًا أسود، أو حجرًا في موقد دائم الاشتعال.. غير أن هذه الكلمات كانت أبعد من أن تؤثر فيه فقد كان يصارح أمه قائلًا:
إن الذي يزيدني ألمًا وتعسًا أن أقبّل نعل شيخ قذر، تعشعش فيه الجهالة، ولا يملك من السطوة إلا ما في نفوس العبيد من الخنوع والذل، أو الرهبة من سلطان أعمى لا يعرف إلا الطرد والقتل والتصفية الجسدية لكل متمرد عليه أو متبرم به!!
وتمضي أم ونوس في خواطرها، كأنما تخاطب جمعًا أمامها وضع آذانه على فمها:
ولا تزال القرى تذكر عائلة"أبو شلّة"التي كانت على وشك اعتناق الإسلام بأفرادها جميعًا، والانتقال إلى مدينة طرطوس حيث تجد متنفسًا هناك بالقرب من أصدقائها من عائلة المؤذن وهيكل فلم يمهلهم المشايخ كثيرًا فعمدوا إلى تدبير مقتل العائلة ولم ينج إلا طفل رضيع من المجزرة حينما ربطوا"سواميك" [سواميك: ج سُمُك مفردها السِّماك وهو العمود الذي يستند إليه السقف] البيت خلسة - بواسطة ضيفٍ اصطنعوه للعائلة - وكلهم نيام، إلى مؤخّرة جرّار"الجمعية الفلاحية"الذي سار إلى الأمام مقتلعًا الأعمدة من أماكنها ليستقر السقف على صدور ورؤوس عائلة كانت تستعد للرحيل، فكانوا أسرع في ترحيلها، وأسرع في إخفاء الجريمة وتمويهها.. حين أسرعوا إلى إبلاغ مخفر ناحية"الشيخ بدر"أن شدة الأمطار ليلًا قد أطبقت السقف الترابي على ساكنيه في بيت"أبي شلة"واختاروا لهم مقبرة خاصة بعيدةً عن مقبرة القرية لأنهم يرفضون أن يشاركهم غير النصيريين في مقابرهم.