يا حسرة، لم أكن أعرف أبدًا ما يدور بينه وبين ربه، فقد قضت الديانة النصيرية، ألا تطَّلع النساء على شيء من أمور الدين لأنهن كما يقولون: ليس للمرأة دين إلا"……"ولن أنسى أبدًا الشيخ"محمود أبو هبّول"الذي رشقني بكلمات اللعن والطرد عندما دخلت إلى"الجّمْعَة" [الجَمْعَة: البيت الذي يجتمع فيه النصيريون في المناسبات الدينية والاجتماعية] حاملة الديك الأحمر المشوي لأضعه بين يديه، فأسرع إلى طردي ومن معه.. لم أذكر من كلماته التي كان يحدث بها الناس عند دخولي إلا قوله:"سيدي عبد الله بن سبأ".
غير أني لا أدري من صاحب هذا الاسم وماذا يعني، إني صرت أهتم بسماعه من ولدي ونّوس عندما كان يطلب إلى ابنه أن يسمعه ما كان لقنه إياه"الشيخ مصطفى الضرير"بعد أن بلغ الثامنة عشرة من عمره يوم أمره بالانقطاع عن رفاقه من المسلمين الذين كانوا يزورونه في القرية أيام الربيع والصيف أولئك الرفاق الذين يسم يستطع الإفلات من تأثيرهم فيه، فقد كانوا شبابًا مهذبين يحملون له من الهدايا كل زيارة ما يدل على كرمهم وإخلاصهم، ويكرمونه في المدينة أثناء السنة الدراسية، بما يقدمونه له من الخدمات ومع ذلك فقد كانوا شديدي الخطر عليه، هكذا كان يقول جده وأبوه والشيخ مصطفى لأنهم يرون أن حُسنَ معاملة زملائه له واستمرار العلاقة هذه قد يدفعه إلى اعتناق الإسلام، لا سيما أنه كان يرافقهم إلى المساجد ويصلي معهم بل ويصلي مثلهم وهذا الذي يمقته المشايخ ويحاربونه..
وتسقط دموع أم ونوس على وجنتيها وهي تتذكر"مخلوفًا"عندما كان يجلس تحت شجرة البلوط يبكي فراق زملائه ويتألم لمعاملة أهله القاسية تلك المعاملة التي كانوا يرغمونه من خلالها على تقبيل نعل الشيخ مصطفى الضرير ووضعها على رأسه وجبهته، عند ذلك كان يحسّ بفقد إنسانيته، بالصدمة الإذلالية، ويشعر بأنه من عالم آخر، بل من عالم أقل شأنًا حتى من عالم الحيوانات الدنيا الدنية.