عليهم. فضلا عن ملاحظة أهل العلم أن القرآن قد يفصّل ويطنب في القص إذا كان الحديث عن بني إسرائيل خاصة، وذلك لأنهم لم يوهبوا القدرة على الإيجاز في حوارهم [1] ، لأن (( ألفاظ العرب أكثر من معانيهم، وليس ذلك في لغة أحد من الأمم غيرهم، فإنما استعاروا مجازًا واتساعًا ) ) [2] .
وفضلا عن ذلك فإن حوار الرسول محمد صلّى الله عليه وآله وسلم كثيرًا ما صدّر بـ (قل) التلقينية، يتبعها الجواب الذي أكثر ما ورد بأسلوب القصر، فمن ذلك قوله تعالى على لسان المشركين حين {قَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي ءاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [3] . فهذا خبر منهم القوه على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، يعبرون فيه عن روح العناد والمكابرة التي عرفوا بها، وقد أمر الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وآله وسلم (( أن يجيب عن مكابرتهم وعنادهم ) ) [4] . فقال تعالى آمرا له: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَاهُكُمْ إِلَاهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [5] .فقد وقع التلقين بتعبير خبري مصدر بالقصر بـ {إنّما} التي أريد بها هنا التكرار بالتوكيد [6] . وهو قصر إضافي، أي أنا مقصور على البشرية، من دون أن أتصرف في قلوب الناس [7] . وهو (( خبر يفيد كناية عن تفويض الأمر في العمل بجزائهم إلى الله تعالى ) ) [8] . وقوله تعالى: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} تعبير فيه وجوب وإلزام إخلاص العبادة لله سبحانه وحده بأن يستقيموا إليه ولا يميلوا إلى ما دونه وهو تعبير ورد على سبيل التصوير للمعنى الذي يكسبه ويضفي عليه وضوحًا إلى وضوحه وقوة إلى قوته [9] .
ويلمح في هذا التعبير الجوابي (( التلطف معهم على الرغم مما هم عليه من استعلاء وطغيان ) ) [10] وقوله تعالى {يُوحَى إِلَيَّ} ورد على وجه الاحتراس وبيان الفارق بينه صلّى الله عليه وآله وسلم وبينهم في البشرية [11] . من حيث أنه بشر ولكن يوحى إليه.
(1) تاويل مشكل القرآن /16.
(2) العمدة لابن رشيق 1/ 274.
(3) سورة فصلت / 5.
(4) تأملات في آيات القرآن 1/ 71.
(5) سورة فصلت / 6.
(6) شرح اللمع 1/ 74.
(7) التحرير والتنوير 23/ 237.
(8) نفسه 23/ 236 - 237.
(9) أسلوب الدعوة القرآنية / 118.
(10) نفسه / 117.
(11) التحرير والتنوير 23/ 237.