ثم أردف ذلك بتعبير مصدر بالقصر أيضًا بـ {أَنَّمَا} ، مقررًا [1] فيه وحدانية الله سبحانه، فقال: {أَنَّمَا إِلَاهُكُمْ إِلَاهٌ وَاحِدٌ} . فهو تعبير وقع على سبيل البيان للمقصود من التعبير السابق له، الذي أُرِيد به إثبات النبوة [2] ، وذلك بقوله: {يُوحَى إِلَيَّ} .
وأردف التعبير بتعبير يلمح فيه الوعيد والتهديد [3] ، فقال: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِين َ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَواةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [4] . فجمع لهم في هذا التعبير بين تهديدهم، وبين وصمهم بالشرك والكفر ويلحظ أن الوعيد صدر بلفظة {وَيْلٌ} ، وهي دالة في اللغة على القبح والتحسر، وفي الاستعمال القرآني على استحقاق النار مقرًا ثابتًا لمن قال الله سبحانه ذلك فيهم [5] .
ويشعرنا بذلك هذا التنكير، والتصدير الذي في هذا التركيب: {وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِين} . ويلحظ أن التعبير التهديدي قد (( خص بالذكر وصفين من صفات المشركين هما: عدم إيتاء الزكاة، وإنكار البعث ... عبر بالجملة الفعلية في {لا يُؤْتُونَ الزَّكَواةَ} ؛ ليفيد أن عدم إتيانها متجدد، وهو معنى يتماشى مع إيتاء الزكاة، سواء أردنا بها زكاة المال أو تزكية النفس. على حين عبر بالجملة الاسمية في {وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} ؛ ليفيد أن كفرهم أمر مستمر ثابت ) ) [6] .
ونحو هذا من جواباته صلّى الله عليه وآله وسلم للمشركين ما بينه تعالى بقوله: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءايَاتٌ مِّنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [7] . فقد صدر بالتلقين هنا، ثم الجواب بـ (إنما) ، وتكرار القصر بـ (إنما) أيضا وهو (( قصر إفراد ردا على زعمهم ) ) [8] .
ويلمح الوعيد والإنذار والتهديد في نهاية هذا التعبير؛ إذ النذير والإنذار (( إخبار فيه تخويف ) ) [9] . وهذا التخويف مناسب لطلبهم الذي ورد على سبيل التعنت والهزء [10] .
ونحوه ما ورد في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين َ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِين} [11] .
(1) تأملات في آيات القرآن 1/ 74.
(2) روح المعاني24/ 97 - 98.
(3) تأملات في آيات القرآن 1/ 74 - 75.
(4) سورة فصلت / 6 - 7.
(5) المفردات في غريب القرآن / 840 - 841 (ويل) .
(6) أسلوب الدعوة القرآنية /118 - 119.
(7) سورة العنكبوت/ 50.
(8) التحرير والتنوير 21/ 13.
(9) المفردات في غريب القرآن / 742 (نذر) ، وينظر مجمع البيان 10/ 329.
(10) إعراب القرآن للنحاس 3/ 258.
(11) سورة الملك /25.