الصفحة 218 من 342

إجحافهم بحقه، فقد جاء خطابه بنداء متودد متقرب حين {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ} [1] . فنفى الضلال عن نفسه على ابلغ وجه إذ إن (( المصادر تقع على(فَعَالَة) للمبالغة )) [2] ؛ أي أن (الضلالة) بتاء المرة (( أخص من الضلال. فكانت ابلغ في نفي الضلال عن نفسه، كأنه قال: ليس بي شيء من الضلال، كما لو قيل: الك تمر؟ فقلت: ما لي تمرة ) ) [3] . وهذه المبالغة في جوابه عليه السلام اقتضتها المبالغة في قولهم الأحمق، ومن ثم بالغ في النفي لمبالغتهم في إثبات الضلال له [4] ، مع ما يلمح في ندائه من التقرب إليهم. وعدم قطع الصلة بهم.

ثم أردف النفي بتعبير فيه (( تعليل الحكمة من إرساله وإبطال مزاعمهم التي يزعمونها ) ) [5] ، إذ قال: {وَلَاكِنِّي رَسُولٌ مِّنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [6] . فقد استدرك انتفاء الضلال بكونه رسولا من الله سبحانه. إن (لكنّ) (( حقها أن تتوسط بين كلامين متغايرين: نفيًا وإثباتًا. والتغاير هنا حاصل من حيث المعنى ) ) [7] ، أي إن كونه رسولا من الله تعالى مبلِّغًا رسالات ربه، وناصحًا في دعوته، هو في معنى كونه على الصراط المستقيم [8] ، الذي هو مغاير للضلال وضدٌ له.

ويلحظ أن نوحًا عليه السلام في جوابه هنا قد (( سلك طريقَ الإطناب؛ لأن هذا الاستدراك زيادة على الجواب؛ إذ قوله: {لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ} ،كان كافيًا فيه ) ) [9] . غير أنه أطنب بالاستدراك ليزيل التوهم الذي قد يقع في التعبير السابق للاستدراك، الذي نفى فيه الضلالة عن نفسه. من أنه ليس برسول من رب العزة.

ونحو هذا ما دار بين الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم وقومه، وهو كثير، غير أنه حوار يتسم بالقصر في الأغلب؛ إذ كثيرا ما ورد مقتصرا على طلب أو خبر من أحد المتحاورين، وجواب من الطرف الآخر، من دون تناوب في التعابير الجوابية في الأغلب. وهذا يرجع إلى أن ما يتعلق بالأنبياء السابقين، يقتضي القص، والتفصيل في طائفة من الأحداث؛ لأنها أحداث انقضت فتحتاج إلى ضرب من السرد القصصي، على حين أن ما يتعلق بالنبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، إنما هي أحداث واقعة معاصرة لمن تقص

(1) سورة الأعراف/ 61.

(2) الكامل 1/ 167.

(3) الكشاف 2/ 85.

(4) روح المعاني 8/ 150 -151.

(5) روائع الأعجاز في القصص القرآني / 171.

(6) سورة الأعراف/ 61.

(7) ورح المعاني8/ 151.

(8) الكشاف 2/ 85.

(9) روح المعاني 8/ 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت