ثم أردف تعبيره هذا بتعبير فيه تعريض بالتهديد [1] ، إذ قال على سبيل التعليل [2] لمفهوم التعبير الإنكاري السابق: {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [3] . والقرآن إذا ذكر الإحاطة في مثل هذا السياق التهديدي، فالمراد به الوعيد بالعقاب.
ثم عطف عليه السلام على ندائه السابق نداءًا آخر، زيادة في التنبيه والتحذير والتهديد [4] ، فقال: {وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [5] .
ونحو هذا من حوار الأنبياء لأقوامهم حوار نوح عليه السلام لقومه، وذلك في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [6] فهي دعوة إلى التوحيد، مع تحذير وتخويف من مغبة عذاب يوم القيامة. وقد أجابه قومه بتعبير يلحظ فيه عكس الحال، بإسقاط ما هم فيه من الضلال والكفر عليه. والإسقاط حالة ضعف نفسي، يلصق فيها صاحب الحالة ما عنده من نقص، على من يدعوه إلى الحق والخير والهداية. ويتجلى ذلك حين {قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَائكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [7] فهذه التهمة مع عدم واقعيتها مؤكدة بأكثر من مؤكِّد، توثيقًا من عندهم لها.
والرؤية هنا قلبية [8] ، وقيل بصرية. وعلى الأول يكون مفعولاها الضمير (الكاف) والجار والمجرور {فِي ضَلَالٍ} ، وعلى الثاني يكون الجار والمجرور في موضع الحال [9] فكأنه قيل: نراك ضالا.
وقد ورد {الضَلَالٍ} في جوابهم على سبيل التجسيم لأمر معنوي، فجعلوه عليه السلام كالمستقر في الضلال [10] ، بعد أن جعلوا الضلال جسما ظاهرًا، سواء أكانت رؤيتهم قلبية أم بصرية.
وقد جاء الجواب منه عليه السلام لتلك التهمة المؤكدة، نافيًا لها ودافعًا إياها عن نفسه، بالألفاظ ذاتها التي وجهوها له، وتثبيت ما هو حق ونقيض لما قالوا من باطل. ومع
(1) التحرير والتنوير 12/ 152.
(2) نفسه 12/ 151.
(3) سورة هود /92.
(4) التحرير والتنوير 12/ 152.
(5) سورة هود / 93.
(6) سورة الأعراف/59.
(7) سورة الأعراف / 60.
(8) الكشاف2/ 85.
(9) روح المعاني 8/ 50.
(10) نفسه 8/ 150.