الصفحة 216 من 342

فالرهط هم (( الجماعة نحو العشرة يرجعون إلى أب واحد ) ) [1] وقيل: هم من الثلاثة إلى العشرة [2] . فأرادوا بذلك إظهار الضعف والعجز ونسبة الهوان إليه والى قومه، لذا (( قلَّلوا قومه حيث جعلوهم رهطا ) ) [3] ، ومما قيل في هذا التعبير إنه من باب التعليل. (( وهو أن يريد المتكلم ذكر حكم واقع، أو متوقَّع فيقدِّم قبل ذكره علّة وقوعه، لكون رتبة العلّة أن تقدم على المعلول ... فوجود رهطه علّة في سلامته من قومه ) ) [4] مع كثرتهم.

وقد دلّ إيلاء حرف النفي (ما) الضمير (أنت) في قولهم: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} على (( أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل، كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: {أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنْ اللَّهِ} ؟ ولو قيل: ما عززت علينا، لم يصح هذا الجواب ) ) [5] . فقد أجابهم شعيب عليه السلام بأسلوب الاستفهام الإنكاري [6] للخبر الذي القوه عليه، ناسبين إليه عدم العزة، وأن هذا مقتصر عليه لا يتجاوزه إلى سائر رهطه. [7]

فما كان منه عليه السلام إلا أن (( يتنصل من الاعتزاز برهطه وقومه، ويجبههم بسوء التقدير لحقيقة القوى القائمة في هذا الوجود، وبسوء الأدب مع الله ) ) [8] ، لأن تهاونهم به - وهو نبي - يعد تهاونًا بالله سبحانه.

فحين عزّ رهطه عليهم من دونه عليه السلام، كان رهطه اعز عليهم من الله تعالى أيضًا [9] . وفي هذا ما فيه من سوء فهمهم، لذا أجابهم بذلك التعبير وعطف عليه قوله التوبيخي [10] : {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} [11] ، و {ظِهْرِيًّا} استعارة [12] ، أو كناية

عن النسيان [13] ، أي (( جعلتموه وراء ظهوركم ) ) [14] ، كالشيء المنبوذ الذي لا يعبأ به [15] . وعلى ذلك فالتعبير كان ذا (( صورة حسيّة للترك والإعراض تزيد في شناعة فعلتهم ) ) [16] ، وتزيد في تأنيبهم وتوبيخهم.

(1) الفروق في اللغة / 274.

(2) الكشاف 2/ 289، وروح المعاني 12/ 123.

(3) الكشاف 2/ 289.

(4) تحرير التحبير 2/ 309.

(5) الكشاف 2/ 289، وينظر الإيضاح في علوم البلاغة / 38، والتبيان في البيان / 88، والمعاني في ضوء أساليب القرآن / 222، والآية /92 من سورة هود.

(6) التحرير والتنوير 12/ 151.

(7) مفتاح العلوم / 438، وروح المعاني 12/ 124.

(8) في ظلال القرآن 4/ 1922.

(9) مسائل الرازي وأجوبتها / 140، والبحر المحيط 5/ 256.

(10) معترك الأقران 2/ 161.

(11) سورة هود / 92.

(12) تلخيص البيان في مجازات القرآن / 166، والتحرير والتنوير 12/ 151.

(13) التحرير والتنوير 12/ 151.

(14) الجامع لأحكام القرآن 9/ 91.

(15) التفسير الكبير 18/ 51.

(16) في ظلال القرآن 4/ 1922.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت