الصفحة 215 من 342

ويستمر الحوار وتتناوب الجوابات بينهم، فيجيب شعيب عليه السلام عليهم غير قاطع محاورتهم، بأن يناديهم بنداء النسب قائلا: {يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [1] وهو نداء (( تودد وتقرب وتذكير بالأواصر القريبة ) ) [2] . والبينة: الحجة الظاهرة [3] . والرزق الحسن: يعني النبوة أو الحكمة [4] . وكلاهما مما اسبغه الله سبحانه عليه، من نعمه، فانبرى يعدده اعترافًا به.

ويلحظ في هذا التعبير حذف؛ إذ حذف جواب الشرط، ودلّ عليه سياق الكلام، أو قوله: {إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} ، وتقدير المحذوف هو: ماذا يسعكم في تكذيبي، أو ماذا ينجيكم من عاقبة تكذيبي [5] ؟.

ويكرّر شعيب عليه السلام النداء بقوله: {وَيَاقَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُمْ بِبَعِيدٍ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [6] . ومعنى {يَجْرِمَنَّكُمْ}

(( يكسبنَّكم ) ) [7] و {شِقَاقِي} ، أي: مشاقي [8] ، بمعنى خلافي [9] ، وهو فاعل للفعل (يجرم) [10] ، فالمراد: لا يكسبنّكم ولا يحملنكم مخالفتي ومعاداتي على أن تعاقبوا بمثل ما عوقب به قوم نوح.

فحذّرهم عليه السلام بهذا النداء المتكرر، مذكّرًا إياهم بمآل من سبقهم من الأقوام الذين عصوا رسلهم فكان مصيرهم الهلاك بالعذاب.

إلا أنه مع هذا التحذير والتخويف لا يؤيسهم من باب المغفرة والتوبة، بل هو يطمعهم في رحمة الله تعالى والقرب منه بأرق الألفاظ وأحناها [11] . غير انهم قابلوه بالسخرية والتكذيب والتبجح [12] ، إذ {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَائكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناَكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [13] . قالوا ذلك على وجه الاستهانة به [14] .

(1) سورة هود / 88.

(2) في ظلال القرآن 4/ 1920.

(3) روح المعاني 11/ 118.

(4) مجمع البيان 5/ 188. وروح المعاني 11/ 118.

(5) التحرير والتنوير 12/ 143.

(6) سورة هود / 89 - 90.

(7) تفسير الجلالين / 297.

(8) مشكل إعراب القرآن 1/ 373.

(9) تفسير الجلالين / 297.

(10) مشكل إعراب القرآن 1/ 373، وتفسير الجلالين / 297.

(11) في ظلال القرآن 4/ 1920.

(12) نفسه 4/ 1921.

(13) سورة هود / 91.

(14) الكشاف 2/ 288، وروح المعاني 12/ 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت