ومن حيث التركيب وهو بناء الخبر على الضمير كأنه قال: لست من اللاعبين في الدعاوة (*) بل من العالمين فيها بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة، كالشاهد الذي تقطع به الدعاوى )) [1] .
ثم ختم حواره معهم بالتهديد والوعيد، إذ قال مقسما: {وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [2] .
ومن هذا اللون حوار شعيب عليه السلام قومه، فقد قال تعالى مصورًا له: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَنكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [3] .
فهذه دعوة مباركة قد تضمنت أمورًا هي العبادة وتوحيد العبودية، واجتناب التطفيف، وحسن التصرف في الأموال، واجتناب الإفساد في الأرض. وهي دعوة صادقة ناصحة، دلّ على ذلك تكرار الخطاب لهم بـ {يَاقَوْمِ} وفي ذلك من التودد وإظهار القرابة لهم. غير أنهم أجابوه بتعبيرات تلائم ما دعاهم إليه. فقد أجابوا [4] أمره عليه السلام بعبادة الله سبحانه وحده بقولهم: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَوا تُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا} [5] ، وهو جواب ورد على سبيل الاستهزاء [6] والتوبيخ [7] والسخرية والتهكم [8] به عليه السلام، والتكذيب [9] له فيما دعاهم إليه.
وقد اسندوا في جوابهم الأمر إلى الصلاة فجعلوها آمرة ومشيرة عليه بما دعاهم إليه وشعيب عليه السلام مأمورًا [10] ، وهذا ضرب من التشخيص (*) .
والصلاة هنا قد يراد بها الدين [11] ، وقد يراد بها الفريضة المعروفة، لأنها كانت أخص أعماله عليه السلام، وهي مخالفة لمعتادهم، فيكون إسناد الأمر لها غير حقيقي، لأن
(1) روح المعاني 17/ 61. وينظر التبيان في البيان /113.
(2) سورة الأنبياء /57
(3) سورة هود / 86 - 84.
(4) روح المعاني 11/ 117.
(5) سورة هود /87.
(6) الكشاف 2/ 286، ومجمع البيان 5/ 188، وتفسير الجلالين / 297، وروح المعاني 11/ 117.
(7) تحرير التحبير 1/ 135.
(8) المصباح / 43، وروح المعاني 1/ 326، وفي ظلال القرآن 4/ 1919.
(9) التحرير والتنوير 12/ 141.
(10) روح المعاني 11/ 117.
(*) التشخيص: هو خلعُ الحياةِ على المواد الجامدة، والظواهر الطبيعية، والانفعالات الوجدانية. التصوير الفني/ 63.
(11) تأويل مشكل القرآن / 355، والإتقان 1/ 142.