الصفحة 212 من 342

وقد حصل تناوب جوابي في هذا الحوار؛ إذ أجاب عليه السلام ورد عليهم ذامًا [1] لهم على التقليد، ومبطلا لهم بتعبير مؤكد، حين {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَءابَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [2] .فأكد جوابه بهذا التركيب {لَقَدْ} الدال على تأكيد الحدث وتحقّقه [3] ، وهي على ما قيل من التوكيد القسمي [4] . وبتكرار الضمير {أَنْتُمْ} الذي هو تأكيد [5] للضمير المتصل في قوله تعالى: {كُنتُمْ} .

ثم أنه اعتمد في جوابه هذا على تصوير المعاني وإبرازها في صورة حسية؛ إذ جسَّم الضلال بقوله: {فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} ، فجعله - وهو معنى - جسما ظاهرًا بيّنا.

ثم جاء ردّهم على ما قاله عليه السلام لهم بأن سألوه (( سؤال المزعزع العقيدة، الذي لا يطمئن على ما هو عليه؛ لأنه لم يتدبره ولم يتحقق منه ) ) [6] . إذ {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنْ اللَّاعِبِينَ} [7] ، وقيل هو سؤال استبعاد وتعجيب [8] ، قوبل برد من إبراهيم عليه السلام، بأن قال مطمئنا مستيقنًا واثقًا وعارفا بربه، متمثلا في خاطره وفكره منبهًا ومبينًا الحق ومعينا المستحق للعبادة [9] دون ما يعبدون {قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ} [10] .

ويلحظ أنه قد عدل في جوابه عن استفهامهم، إذ (( كان من الظاهر أن يجيبهم عليه السلام بقوله: بل إنّا من المحقين ولست من اللاعبين. فجاء بقوله: {بَل رَبُّكُمْ} الآية لينبه به على أن إبطالي لما انتم عاكفون عليه وتضليلي إياكم مما لا حاجة فيه لوضوحه إلى الدليل ) ) [11] .

ثم ذّيل (*) جوابه بقوله: {وَأَنَا عَلَى ذَالِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ} [12] ، فهذا التعبير (( تذييل للجواب بما هو مقابل لقولهم: {أَمْ أَنْتَ مِنْ اللَّاعبِينَ} من حيث الأسلوب وهو الكناية،

(1) مجمع البيان 7/ 52.

(2) سورة الأنبياء / 54.

(3) في التركيب اللغوي للشعر العراقي المعاصر / 309.

(4) روح المعاني 17/ 59.

(5) نفسه 17/ 59.

(6) في ظلال القرآن 4/ 2385.

(7) سورة الأنبياء / 55.

(8) روح المعاني 17/ 59.

(9) نفسه 17/ 59.

(10) سورة الأنبياء / 56.

(11) روح المعاني 17/ 61.

(*) التذييل هو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد حتى يظهر لمن لم يفهمه، ويتاكد عند من يفهمه. ينظر حسن التوسل إلى صناعة الترسل / 264.

(12) سورة الأنبياء / 56.

(*) في الأصل (الدعاوى) ، والصواب ما ذكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت