يأوي إليه شيء ليلا أو نهارًا )) [1] والعصمة تعني: المنع والحفظ [2] . فاختار بجهله وكفره إيواء الجمادات دون إيواء الرحمن سبحانه، الذي جعل السفينة مأوى للمؤمنين المصدقين، وسببا لنجاتهم.
وقد قال {إِلَى جَبَلٍ} بالتنكير، أي: إلى أي جبل من الجبال المحيطة بهم، وقال {مِنْ الْمَاءِ} ولم يقل من الطوفان، فكأنه حاول تهوين الأمر على نفسه واستصغاره واحتقاره مع أن الطوفان، كما قيل بدأ بحادث تفجيري عظيم شاهده قوم نوح كلهم على تباعد منازلهم وتنائي مساكنهم [3] .
فماذا كان من الأبوة المدركة لحقيقة الهول وحقيقة الأمر الذي سيحدث يا ترى؟ الجواب أنها كانت ترسل النداء الأخير [4] : {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَن رَّحِمَ} بالنفي المطلق، وبمد الصوت في (لا) والالف في اسم الفاعل {عَاصِمَ} ، وكأن هذا المد الصوتي يعبر عن الحاح نوح عليه السلام على ابنه في الركوب معه، وعلى حرصه الشديد عليه من الغرق المُهلِك.
وأسند اسم الفاعل {عَاصِمَ} إلى ضمير اسم المفعول لعلاقة المفعولية، وهو من المجاز العقلي [5] ، أي: لا معصوم [6] من أمر الله سبحانه.
وقد حمل الزمخشري الآية في أحد وجوه تأويلها على ظاهرها، إذ قال: (( لما جعل الجبل عاصمًا من الماء قال له: لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من رحمهم الله ونجّاهم: يعني السفينة ) ) [7] . وهو قول مقبول إلى حد كبير؛ لأن (( اللفظ لا يعدل به من الظاهر إلى التأويل ما لم تكن لذلك ضرورة، كاستحالة الظاهر، أو مصادمته للعقيدة ) ) [8] ، ومثل هذا لم يكن في هذه الآية.
وكان نوح عليه السلام قد أورد جوابه لابنه بتخصيص امتناع العصمة والحفظ بزمن محدّد هو (اليوم) الذي هم فيه وقت الحدث. وكأن الموقف الرهيب يستلزم ذكر قرينة امتناع الحفظ في وقت التكلم والتحذير لا في زمن المستقبل البعيد؛ وذلك لتهويل الموقف
(1) مختار الصحاح / 34 (أوى) .
(2) مختار الصحاح / 437 (عصم) ، وتفسير الجلالين / 290، ومعترك الإقران 2/ 637.
(3) قصة الطوفان عبد المجيد شوقي البكري / 25.
(4) في ظلال القرآن 4/ 1878.
(5) حسن التوسل إلى صناعة الترسل / 105، والتبيان في البيان / 208 - 210، وفنون بلاغية / 105.
(6) معاني القرآن للأخفش 2/ 353، وتأويل مشكل القرآن / 228، والصاحبي / 366، ومعترك الأقران 2/ 637، وفنون بلاغية / 117.
(7) الكشاف 2/ 271.
(8) التأويل عند ابن قتيبة في كتابيه تأويل مشكل القرآن وتأويل مختلف الحديث / 185.