الذي جرى مجرى فعله، فارتفع ما بعده ارتفاع الفاعل بفعله، وقد سدّ الضمير أنت مسد الخبر.
ومع هذا الاختلاف في الإعراب، فالتعبير الجوابي قد دل على الإنكار والتوبيخ، فضلا عن الغلظة والقسوة على إبراهيم المتودد المتقرب.
وقد أردف التعبير بتحذير وتهديد ووعيد، بإن قال {لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [1] .
والرَّجم من الرِّجام، وهو الحجارة، فالرجم يعني: الرمي بالحجارة [2] و {مَليًّا} يعني زمنا أو دهرا طويلا [3] .
وهذا التهديد والوعيد لم يثن إبراهيم عليه السلام عن التلطف والحلم، بل انبرى يودعه ويعده، إذ {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [4] . والحفيّ هو (( البليغ في البر والألطاف ) ) [5] والرحمة [6] ، وهذا من دواعي أجابته حين الدعاء. {وسَلَامٌ} مبتدأ، حسن الابتداء به مع كونه نكرة، لأنه أفاد معنى الدعاء والمتاركة والتبرؤ [7] غير أن هذا التوديع والهجرة كان على وجه جميل من غير عقوق لأبيه [8] .
فاللطف والتودد باد في تعبير إبراهيم عليه السلام في حواره لأبيه، ذلك الذي قوبل بالغلظة والتوبيخ والإنكار والوعيد.
ويلحظ في هذا الحوار تقارب الرتب بين المتحاورين جهة القرابة، وتباعدها من جهة الفكر، إذ هما على طرفي نقيض من هذه الجهة، ومن ثم اختلف أسلوب الطرفين المتحاورين وتباعد.
ونحو هذا الحوار ما دار بين نوح عليه السلام وابنه، فقد قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَئآوِى إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ} [9] .
فهذا النداء الأبوي المشفق المتحنن يجاب بتعبير من بنوة عاقة وفتوة مغرورة لا تدرك مدى الهول الشامل [10] اللاحق بها، إذ {قَالَ سَئآوِى} ، والمأوى، هو: (( كل مكان
(1) سورة مريم /46.
(2) المفردات في غريب القرآن / 277 (رجم) .
(3) المفردات في غريب القرآن / 720 (ملا) ، والكشاف 2/ 511، ومجمع البيان 6/ 517.
(4) سورة مريم / 47.
(5) الكشاف 2/ 512.
(6) مجمع البيان 6/ 517.
(7) البيان في غريب إعراب القرآن 2/ 127.
(8) مجمع البيان 6/ 517.
(9) سورة هود / 42 - 43.
(10) في ظلال القرآن 4/ 1878.