صِرَاطًا سَوِيًّا يَاأَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [1] .
فإبراهيم عليه السلام في حواره أبيه قد أطلع أباه على (( سماجة صورة أمره، وهدم مذهبه بالحجج القاطعة، وناصحه المناصحة العجيبة مع تلك الملاطفات ) ) [2] التي اتضحت من خلال تكرار النداء: {يَاأَبَتِ} ، وهو تكرار دال على حرصه الشديد على توجيه أبيه وجهة التوحيد [3] ، فضلا عما في اختيار الألفاظ في تعبيره من الدلالة على (حسن الأدب مع أبيه، إذ لم يصرح بان العذاب لا حق له، ولكنه قال: {إِنِّي أَخَافُ} . فذكر الخوف والمس، وذكر العذاب ونكّره، ولم يصفه بأنه يقصد التهويل، بل قصد استعطافه، ولهذا ذكر {الرَّحْمَانِ} ولم يذكر(المنتقم) ولا (الجبار ) ) ) [4] .
وهذا التودد والترقق وحسن الأدب والاستلطاف من لدن إبراهيم عليه السلام يُقابَل من لدن أبيه بتعجب وإنكار بل وغلظة في القول فيه وتقريع وتهديد [5] ؛ إذ قال له
بأسلوب الاستفهام الإنكاري في جوابه لدعوته: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِي يَإبْراهِيمُ} [6] .
فلم يقابل {ياأبت} في تعبير إبراهيم عليه السلام بـ {يابنيّ} [7] ، بل أغلظ عليه وقسا، وبالغ في الإنكار. وقد ذهب الزركشي [8] إلى أنّ في هذا التعبير تقديمًا، بأن قدم فيه الخبر على المبتدأ، فأفاد هذا التقديم زيادة الإنكار على إبراهيم، وعناية واهتمامًا بالمتقدم [9] . غير أن في هذا التقديم خلافًا؛ إذ اشترط بعض النحاة ألا يكون الوصف رافعًا لضمير ظاهر، لذا عدّ الآية من قبيل الجملة الاسمية التي تقدم فيها الخبر وهو {راغب} عندهم على المبتدأ وهو الضمير {أنت} ، والتقدير: أأنت راغب عن آلهتي يا إبراهيم؟ [10] .
وقد ذكر أبو البركات بن الأنباري [11] (ت 577هـ) ، أن {راغب} مرفوع بالابتداء، وقد حسن الابتداء بالنكرة؛ لأنها اعتمدت على همزة الاستفهام. وأن {أنت} مرفوع براغب
(1) سورة مريم /41 - 45.
(2) الكشاف 2/ 511.
(3) روائع الإعجاز في القصص القرآني / 120.
(4) البرهان في علوم القرآن 3/ 381.
(5) روائع الإعجاز في القصص القرآني / 120.
(6) سورة مريم / 46.
(7) الكشاف 2/ 511.
(8) البرهان في علوم القرآن 3/ 276.
(9) الكشاف 2/ 511.
(10) شرح بن عقيل 1/ 198. ينظر الجملة العربية دراسة لغوية نحوية / 94093
(11) البيان في غريب إعراب القرآن 2/ 127.