ومن حوار الأنبياء لذويهم حوار يعقوب لابنه يوسف عليهما السلام، فقد قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَابُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [1] .
فصدر جواب يعقوب ليوسف عليهما السلام بكلمة {قَالَ} ثم بنداء الود والعطف والتقرب {يَابُنَيَّ} ، الذي ناظر فيه نداء يوسف {يَاأَبَتِ} وفي ذلك (( إشارة إلى أن الحديث كان خاصًّا بينهما ) ) [2] . إذ إن يعقوب عليه السلام نصحه وخوفه بأسلوب النهي: {لا تَقْصُصْ} وعلّل هذا النهي عن قص ما رأى - من رؤيا - على اخوته، بقوله: {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} . والكيد هو الاحتيال [3] ، أي (( يحتالون في هلاكك حسدا لعلمهم بتأويلها ) ) [4] .
وقيل إنّ قوله {فيكيدوا} ورد بالنصب على إضمار (أنْ) ، والمعنى: إن قصصتها عليهم كادوك. ولم يقل فيكيدوك [5] ، لأن الفعل قد (( ضمن معنى فعل يتعدى باللام ليفيد معنى فعل الكيد، مع إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون آكد وأبلغ في التخويف ) ) [6] .
ثم أردف يعقوب عليه السلام هذا التخويف بجملة ترتبط بما قبلها وتأتلف معها وتتحد بها، وهو أنه قال {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} . فالكيد المحتمل من إخوته سببه الشيطان الذي هو ظاهر العداوة للإنسان. فالجملة المصدرة بـ (إن) جملة تعليلية [7] لنهيه عن قص رؤيته على أخوته. وكأن الأسباب قد ارتبطت، فالنهي عن القص سببه الكيد والاحتيال، وهذا سببه عداوة الشيطان للإنسان.
وما ورد من جوابات حوار الأنبياء مع ذويهم فيه من التودد والتلطف والتقرب بين المتحاورين ما فيه. غير أن هناك حوارا لا نجد فيه ذلك التلطف والتقرب والتودد من الطرفين، وإنما نجده عند طرف واحد منهما، على نحو ما نجد في حوار إبراهيم عليه السلام - وهو نبي- لأبيه الكافر، وحوار نوح عليه السلام لابنه الكافر. فقد قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ
(1) سورة يوسف /4 - 5.
(2) مسائل في تأويل الأحاديث أو آيات السائلين / 11.
(3) المفردات في غريب القرآن / 666 (كيد) .
(4) تفسير الجلالين / 303.
(5) الكشاف 2/ 303.
(6) الكشاف 2/ 303.
(7) في ظلال القرآن 4/ 1971