فجواب إسماعيل لأبيه المصدَّر بالقول، ابتدأ بالنداء {يَاأَبَتِ} الذي يلمح فيه روح المودة والقربى [1] ، وهو مناظر لما في نداء أبيه من الشفقة والحنان [2] عليه، حين قال له: {يَابُنَيَّ} ولم يقل يا ولدي، لأن (( الابن يفيد الاختصاص ومداومة الصحبة ) ) [3] .
وقد كان في هذا النداء (( استحضار المنادى بوصف الأبوة وإضافة الأب إلى ياء المتكلم المعوض عنها التاء المشعر تعويضًا بصيغة ترقيق وتحنن ) ) [4] .
فهو يلبي طلبة أبيه المأمور بقوله: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} وبحذف الجار المتعلق بالفعل (تؤمر) ، أي: ما تؤمر به [5] .
وقد عبر عليه السلام عن الذبح بالاسم الموصول (ما) في {مَا تُؤْمَرُ} ، من دون أن يقول: اذبحني، وهذا التعبير (( يفيد وحده إيماء إلى السبب الذي جعل جوابه امتثالا لذبحه ... وصيغة الأمر في قوله: {افْعَلْ} مستعملة في الإذن. وعدل عن أن يقال: اذبحني إلى {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} للجمع بين الإذن وتعليله، أي: أذنت لك أن تذبحني، لأن الله أمرك بذلك، ففيه تصديق أبيه وامتثال أمر الله فيه ) ) [6] .
وبعد تلبيته عليه السلام لطلب أبيه، (( وعده بالامتثال له وبأنه لا يجزع ولا يهلع بل يكون صابرًا ... وقد قرن وعده بـ {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} ، استعانة على تحقيقه ) ) [7] . وهي جملة اعتراضية (( تزيد من قوة المعنى ) ) [8] وتؤكده. وتضيف عليه ظلالا تسمو به بخلاف ما لو حذف الاعتراض من التعبير.
وفي قوله: {مِنْ الصَّابِرِينَ} ، (( مبالغة في اتصافه بالصبر ما ليس في الوصف: بصابر، لأنه يفيد أنه سيجده في عداد الذين اشتهروا بالصبر وعرفوا به ) ) [9] .
ويلحظ في هذا الحوار تصديره بالقول بصيغة المضي (قال) حكاية للمحاورة. واتسامه بالقصر، إذ اقتصر على طلب إبراهيم عليه السلام، وتلبية النداء وإجابته من إسماعيل عليه السلام.
ويلمح فيه معاني الألفة والقربى والتودد، وتقارب الرتب بين المتحاورين من جهة القرابة والعقيدة. متمثلة قبل كل شيء بالعبادة.
(1) الحوار في القرآن الكريم /192.
(2) نفسه/ 190.
(3) الفروق في اللغة / 275.
(4) التحرير والتنوير 22/ 151. ومثله في تفسير الجلالين / 593.
(5) الكشاف 3/ 348، ومجمع البيان 8/ 452، والتحرير والتنوير 22/ 152.
(6) التحرير والتنوير 22/ 151 - 152.
(7) نفسه 22/ 152.
(8) دراسات في البلاغة عند ضياء الدين بن الاثير / 141.
(9) التحرير والتنوير 22/ 152.