الصفحة 139 من 342

على أن (كَلاّ) هنا تفيد النفي المشدَّد المؤكد دون الزجر، ويمكن تسميته (السلب الجزئي للدلالة) .

فموسى عليه السلام، لم يكن مستحقًّا للردع، بل كان خائفًا، ولذا أمرهم بتعبير دلَّ على طلب السرعة في التنفيذ، فقال: {فاذْهَبَا} بالفاء المعقبة من غير مهلة ولا تراخ في تنفيذِ المطلوب. وقد دلَّ: {فَاذْهَبَا} ، على استجابة الله تعالى لما التمسه عليه السلام من المؤازرة بأخيه، أي: اذهب أنت وأخوك. وقد حُذف ذكر {هَارُوْنَ} [1] منه، فدل الحذف على (( تغليب الحاضر على الغائب ) ) [2] . وجاء التعبير بـ (كلا) على سبيل الازدواج الدلالي، إذ دلَّ (فاذهبا) على استجابة الدعاء أولًا، وعلى طلب السرعة في التنفيذ من لدن المتلقي ثانيًا.

(2) الردع التركيبي:

وفضلا عمّا تقدم من جوابات الردع والزجر، التي وردت مصدَّرة بـ (كَلاّ) ، سواء أكان ردعًا لسياق طلبي قبله أم ردعًا لسياق خبري. فإن هناك تعبيرات جوابية دلت على الردع أو الزجر والإهانة والتكذيب، بغير الحرف، وهو أكثر ما يرد بصيغة (الفعل) ، والفعل حَدَثٌ له قيمته التعبيرية والدلالية.

فالتعبير به يحقق عادةً ما لا يحققه الحرف من الدلالة في كثير من الأحيان. ويتجلى ذلك في كثير من التعابير والجوابات.

فمن ذلك ما ورد في قوله تعالى من ردع أهل النار حين اعترفوا بجرمهم الدنيوي فسألوا ربهم الخروج منها والرجعة إلى الدار الدنيا، فقالوا: {رَبّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنّا قَوْمًا ضَآلّينَ رَبّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنّا ظَالمُونَ} [3] ، فقد جاءهم الجواب فيه غلظة [4] وإهانة، فقال عظم شأنه رادعًا زاجرًا لهم: {اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} [5] .والخسء

يعني: الزَجر [6] والطرد [7] ، والإبعاد بمكروه [8] ، والمعنى: (( ذلوا فيها - أي في النار - وانزجروا، كما تنزجر الكلاب إذا زجرت ) ) [9] .

(1) مجمع البيان 7/ 186.

(2) تفسير الجلالين / 480.

(3) سورة المؤمنون /106 - 107.

(4) روح المعاني 1/ 141.

(5) سورة المؤمنون/108.

(6) مجمع البيان 7/ 119.

(7) مختار الصحاح /175 (خسأ) .

(8) نزهة القلوب /35،82.

(9) الكشاف 3/ 44، وينظر صفوة البيان /444.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت