جهنم [1] ، أو الطرد أو القذف [2] . وهي لفظة ذات (إيحاء) دلالي مضاف إلى الترك، مشعر بالإهانة للمنبوذ (( لقلة الاعتداد به، ولذلك يقال: نبذته نبذ النعل الخَلِق ) ) [3] وهذه الجملة (( استئناف مبين لعلة الردع، أي: والله ليطرحن بسبب أفعاله المذكورة ) ) [4] . وقد هوَّل التعبير هذا النبذ والطرح بتحديد مكانه، فقال: {في الحُطَمَةِ} ، والحُطَمة: (فُعَلة) (( اسم من أسماء جهنم .. وهي تحطم العظام وتأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب ) ) [5] ، ثم صعّد في تهويلها وفخَّمها بهذا الاستفهام التجهيلي التهويلي: {وَمَا أدْرَاكَ} [6] ؟ ثم فسرها [7] ، بأنها: {نَارُ اللهِ المُوقَدَةُ} [8] ، فأشعر أنها نار ليست كسائر النيران، حين أضافها إلى (الله) تعالى، ثم وصفها بالاتِّقادِ تفخيمًا لشأنها.
ومن هذا اللون من الجوابات قوله تعالى مخبرًا عن موسى (عليه السلام) ، عندما ناداه ربه: {َ .. أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ قَالَ رَبّ إِنّيَ أَخَافُ أَن يُكَذّبُون وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ قَالَ كَلاّ فَاذْهَبَا بِايَاتِنَآ إِنّا مَعَكُمْ مّسْتَمِعُونَ} [9] ، فقد تعلَّلَ موسى، عليه السلام بأمور، فجاء الجواب منه سبحانه غير رادع له، بل جاء نافيًا فحسب فيما يبدو، إذ لم يجب موسى عليه السلام ما يستحق عليه الردع، وقد تقدَّمَ أنَّ (كَلاّ) قد تدلُّ في مواضع، على مجرد النفي لا الردع والزجر، فقد جاء التعبير نافيًا لِما في ظنِّ موسى مِمَّا قد يحدثُ لهُ عندَ ذهابه إلى فرعون وقومه، فقال له سبحانه وتعالى: {كلا} ، (( أي: كلاَّ لن يقتلك قوم فرعون أو هو وعد منه تعالى بدفع بلية الأعداء عنه ) ) [10] . وليس هو ردعًا وزجرًا لموسى عليه السلام، كما قيل [11] ممن أُلزموا بدلالة (كَلاّ) على الردع والنفي معًا، ولم يستخلصوا من النص والقرآن دليلًا نحويًّا.
(1) نفسه /183.
(2) مجمع البيان 10/ 538.
(3) المفردات في غريب القرآن /731 (نبذ) .
(4) روح المعاني 30/ 231.
(5) مجمع البيان 10/ 538.
(6) سورة الهمزة /5.
(7) مجمع البيان 10/ 538.
(8) سورة الهمزة /6.
(9) سورة الشعراء /10 - 15.
(10) صفوة البيان /470.
(11) الكشاف 3/ 107.