به )) [1] . ويلحظ أن هذا التعبير الزاجر قد (( افتتح بشيء من القوة في الجرس، متمثلة بهذا التشديد الذي في {كَلاّ} وأختُتِم بمثل ذلك في كلمة {جَمَّا} المسبوقة في السياق بكلمة {لَمَّا} ، ليتصاعد بعد ذلك إلى هذه الصورة من صور التغير الكوني يوم القيامة من حيث الحسرة والندامة على ما فرط أولئك المفرطون ) ) [2] فقد كرر التعبير الردع بـ (كَلا) ، وأردف بتعبير فيه تخويف [3] ووعيد [4] . وورد بتكرار الصيغ: {كَلاّ إِذَا دُكّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَآءَ رَبّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [5] . والتكرار، يُفيد تأكيد الفكرة، ويزيد من تكثيف الصور البلاغية [6] .
وهذا التعبير (( استئناف جيء به بطريق الوعيد تعليلًا للردع ) ) [7] . وهو تعبير (( يصور الدّك بما فيه من عنف وقد أكسبه التشديد المتتالي جرسًا يتناسب وهذا العنف الذي يتطلبه دك الأرض وتفتيتها وجعلها لا شيء. فوق أن تكرار الدك نفسه يوحي جرسُهُ بذلك ) ) [8] .
ونحو ذلك قوله تعالى مخبرًا عمًّن (( طوّل المال أمله ومنّاه الأماني البعيدة، حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله، يحسب أن المال تركه خالدًا في الدنيا لا يموت ) ) [9] . فصوَّرهُ عظُمَ شأنُهُ بأنَّهُ {يَحْسَبُ أَنّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} ، ثم قال: {كَلاّ لَيُنبَذَنّ فِي الْحُطَمةِ} [10] . فرد الله تعالى هذا الحسبان الباطل والظن الكاذب بـ {كَلاَّ} ، رادعًا وزاجرًا لمقالته [11] ، وحسبانه الباطل، أو تكون ردعًا (( عن كل ما تضمنته الآيات السابقة من الصفات القبيحة ) ) [12] . ثم أردف هذا الردع بتهديدٍ ووعيدٍ مؤكَّد، فقال {لَيَنْبَذَنَّ} ، وهو جواب لقسم محذوف قُدِّر بعبارة (( واللهِ لَيُطْرَحَنَّ ) ) [13] .
وقيل [14] : إنّ (كَلاَّ) هنا بمعنى (حقًّا) وما أشبهها، فقامت مقام القسم. والأول أرجح فيما يبدو. وقوله {لَيُنْبَذَنَّ} جواب القسم مؤكد باللام والنون [15] . والنبذ: يعني: الترك في
(1) الكشاف 4/ 252.
(2) الجرس والإيقاع في تعبير القرآن د. كاصد الزيدي - مجلة آداب الرافدين - الموصل - العدد (9) 1978/ص369.
(3) مجمع البيان 10/ 488.
(4) روح المعاني 30/ 127.
(5) سورة الفجر /21 - 22.
(6) البنية الصوتية /قاسم البريسم /مجلة المدى العدد 22/ 1998/ ص22.
(7) روح المعاني 30/ 127.
(8) الجرس والإيقاع في تعبير القرآن /369.
(9) الكشاف 4/ 283.
(10) سورة الهمزة /3 - 4.
(11) إعراب ثلاثين سورة /182، الكشاف 4/ 284.
(12) روح المعاني 30/ 231، وينظر البرهان في علوم القرآن 4/ 313.
(13) روح المعاني 30/ 231، وصفوة البيان /824.
(14) الكافية في النحو 2/ 341.
(15) إعراب ثلاثين سورة /183.