الصفحة 136 من 342

قصد به القرآن الكريم، وأُنِثَ لتأنيث الخبر [1] ، وهو الأرجح فيما يبدو، بدليل ما بعدهُ مِنَ السياقِ إذِ الضَّمير في {ذَكَرَهُ} ورد بالتّذكير، وهو عائدٌ على التذكرةِ فضلا عن وروده على الأصل في سورة المدثر في قوله سبحانه: {كَلاَّ إنَّهُ تَذْكِرَةٌ} [2] .

وفي التعبير جملة اعتراضية، وهي قوله: {فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ} [3] .وفضلا عما في الاعتراض من التوكيد، فإنه جيء به هنا (( للترغيب في القرآن والحث على حفظه والاتعاظ به ) ) [4] . وحكى الألوسي عن الزمخشري أنه يرى من شرط الاعتراض أن يكون بالواو أو بدونه، فأما بالفاء فلا. ونقل عن غيره أن الاعتراض يكون بالواو والفاء [5] ، وهو الأقوى؛ لوروده في التعبير القرآني.

ومما وقع جوابًا لخبر قوله عز من قائل: {فَأَمّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعّمَهُ فَيَقُولُ رَبّيَ أَكْرَمَنِ وَأَمّآ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبّيَ أَهَانَنِ كَلاّ بَلْ لاّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلاَ تَحَاضّونَ عَلَىَ طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُرَاثَ أَكْلًا لّمًّا وَتُحِبّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا كَلاّ إِذَا دُكّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا} [6] . فقد جاء الجواب لقولي الإنسان المحكيين عنه بـ (كلاَّ) ؛ ردعًا له وتكذيبًا [7] ، وتنبيهًا [8] على خطأ ظنه، لأن (( الإكرام والإهانة لا يدوران على سعة المال وضيقه. فقد يُوسَّعُ على الكافر، وهو مهين، وقد يُضَيَّق على المؤمن وهو مُكْرَمٌ؛ للاختبار والامتحان، حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية ) ) [9] . وقد أردف الجواب بتعبير فيه تقريع وتوبيخ؛ إذ انتقل من ذمه بالقبيح من القول المحكي عنه، إلى الأقبح من الأفعال التي هي أشد شرًّا مما قاله. فكان الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله {بَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ} ، فيه دلالة على تشديد التقريع وتأكيد التشنيع [10] ، لهم، فجاء التعبير بالإضراب؛ لأن هناك شرًّا من القول المحكي عنهم (( وهو أن الله يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرَّة، وحضِّ أهله على طعام المسكين، ويأكلونه أكل الأنعام ويحبونه فيشحون

(1) روح المعاني 30/ 241.

(2) سورة المدثر /54.

(3) سورة المدثر /55.

(4) روح المعاني 3/ 42.

(5) نفسه 30/ 42.

(6) سورة الفجر /15 - 21.

(7) روح المعاني 30/ 126، وصفوة البيان /804.

(8) شرح الوافية نظم الكافية /420، تفسير الجلالين /807.

(9) صفوة البيان /804، ومثله في مجمع البيان 10/ 488، والمفصل في صنعة الإعراب 447. .

(10) روح المعاني 30/ 127، وصفوة البيان /804.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت