وقد استؤنف الردع ببيان ما قادهم إلى ذلك القول العظيم [1] ، وهو (الرَيْن) الذي غطى قلوبهم المعبر به عن (( الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب ) ) [2] . وقد كرر التعبير الردع، (( للاستخفاف بهم وإهانتهم ) ) [3] ، وأنهم (مَحْجُوبُون) ، أي: ممنوعون؛ إذ أصل الحجب المنع [4] . فهم (( ممنوعون من رحمته مدفوعون عن ثوابه غير مقبولين ولا مرضيين ) ) [5] .
فهذا الحجب والمنع ورد على سبيل المجاز لا الحقيقة؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يرى في الدنيا بلا خلاف، وأما في الآخرة فمن أهل العلم [6] من يرى أنه لا يرى أيضًا، تنزيهًا له عن التشبيه والتجسيم.
فالحجب في هذه الآية وفي غيرها من الآيات محمول على المجاز لا الحقيقة.
ومن ذلك أيضًا قولُهُ تعالى مخبرًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم: {وَأَمّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىَ وَهُوَ يَخْشَىَ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهّىَ كَلاّ إِنّهَا تَذْكِرَةٌ} [7] ، فقد ورد الجواب بـ {كَلاَّ} (( مبالغة في إرشاده - صلى الله عليه وسلم - إلى عدم معاودة ما عُوتب عليه ) ) [8] . وقيل هو ردع وزجر لأولئك الذين اقترحوا الآيات وأعرضوا عن التذكرة [9] . وقد أردف الجواب بجملة مؤكدة بـ (إنّ) ، وهي (( تعليل لما أفادته(كلا) ببيان علو رتبة القرآن العظيم الذي استغنى عنه من تصدى عليه الصلاة والسلام له )) [10] .
وفضلًا عن ذلك فإن في التعبير المعلل للردع تعريضًا بمن استغنى عنه [11] وقد ورد هذا التعبير بتأنيث الضمير، لا بتذكيره على الأصل في السياق. وقد قيل فيه: إنه راجع إلى مؤنث مضاف، أي: (( إن آيات القرآن تذكير وموعظة للخلق ) ) [12] ، وقيل: إنه راجع إلى القرآن، وقيل: إلى معنى التذكرة، وهو الوعظ والتذكير لا إلى لفظها [13] ، فيكون الضمير في التعبير قد
(1) روح المعاني 30/ 72.
(2) الكشاف 4/ 232. ينظر الجامع لأحكام القرآن 19/ 259.
(3) الكشاف 4/ 232.
(4) التبيان في تفسير القرآن 10/ 300.
(5) مجمع البيان 10/ 154.
(6) تلخيص البيان في مجازات القرآن /273، وأمالي المرتضى 2/ 215، ومجمع البيان 4/ 475.
(7) سورة عبس /8 - 11.
(8) روح المعاني 30/ 41، وصفوة البيان /783.
(9) الكشاف 4/ 188.
(10) روح المعاني 30/ 41.
(11) صفوة البيان /783.
(12) مجمع البيان 10/ 438. وينظر روح المعاني 30/ 42، وصفوة البيان /783.
(13) مسائل الرازي وأجوبتها /366. والجامع لأحكام القرآن 19/ 90.