وقد أردف هذا الردع بتهديد ووعيد. فالسفع يعني في اللغة اللطم والضرب، فتقول. سفعت رأس فلان بالعصا، وهو محمول على الأخذ باليد [1] ، ويعني القبض على الشيء وجذبه بقوة [2] . فكأن في الأخذ بالناصية إهانةً واستخفافًا [3] . وقد وصف التعبير هذه الناصية بالكذب والخطأ على وجه التشخيص الفني الاستعاري، وهو الذي تسند فيه صفات إنسانية إلى الشيء الحسي أو المعنوي [4] على سبيل التصوير بالمجاز.
مع أنهما لصاحبهما في حقيقة التعبير، وذلك للدلالة، في رأي بعض المفسرين، على (( المبالغة حيث يدل على وصفه بالكذب والخطأ بطريق الأولى، ويفيد أنه لشدة كذبه وخطئه كأنَّ كُلَّ جزءٍ من أجزائه يكذب ويخطئ ) ) [5] .
ونحو هذا من جوابات الردع، ما في قوله تعالى: {أَفَرَءَيْتَ الّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لاُوتَيَنّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَانِ عَهْدًا كَلاّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} [6] . فقد جاء الردع بـ (كَلاّ) مسبوقًا في السياق بسخرية واستخفاف، ومتبوعًا بتهديد ووعيد؛ إذ أردف بفعل مشعر بهذا التهديد والوعيد وهو فعل الكتابة، وقد ورد بأسلوب الخبر المستقبل المشعر باستمرار الحدث وهو {سنكتُبُ} ، فهو فعل مستمر تتجدد فيه الكتابة لما يقول من الباطل والكفر. أي: (( سنكتب ما يقول فنسجله عليه ليوم الحساب، فلا ينسى ولا يقبل المغالطة. وهو تعبير تصويري للتهديد، وإلا فالمغالطة مستحيلة، وعلم الله لا تندّ عنه صغيرة ولا كبيرة ) ) [7] .
وما ذكر من الجوابات الردعية السالفة ورد مسبوقًا بتعبير طلبي حقيقة كان أو مجازًا. غير أن جوابات الردع كثيرًا ما ترد جوابًا لسياق خبري سابق لها، فمن ذلك ما ورد في الخبر عمّن كذَّب بيوم الدين فقال عظم شأنه فيه: {إِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوّلِينَ كَلاّ بَلْ رَانَ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ مّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ كَلاّ إِنّهُمْ عَن رّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لّمَحْجُوبُونَ} [8] فقوله {كَلاّ بَلْ رَانَ} ردع لقولة ذلك المعتدي، وزجر له، فليس الأمر كما زعم [9] من أن هذا الذي يتلى عليه من الآيات {أَسَاطِيرُ الأوّلِينَ}
(1) تهذيب اللغة للأزهري 2/ 108 (سفع) ، ومقاييس اللغة 3/ 84 (سفع) .
(2) الكشاف 4/ 72، وروح المعاني 30/ 186.
(3) مجمع البيان 10/ 515 - 516.
(4) التصوير الفني في القرآن لسيد قطب /63، والطبيعة في القرآن الكريم / د. كاصد الزيدي /460.
(5) روح المعاني 30/ 187.
(6) سورة مريم /77 - 79.
(7) في ظلال القرآن 4/ 2319 - 2320.
(8) سورة المطففين /13 - 15.
(9) الكشاف 4/ 232، والجامع لأحكام القرآن 19/ 259.