الصفحة 133 من 342

ينسيهم ذلك، فجاء التعبير مذكرًا لهم ومنبهًا إياهم عليه (( دال على إنكارهم البعث، فكأنه قال: كلا إنهم منكرون للبعث والجزاء فمن أين يطمعون في دخول الجنة ) ) [1] .

ومن جوابات الردع ما جاء ردعًا لسياق جرى مجرى الاستخبار واردًا على سبيل الوعيد [2] وذلك قوله تعالى: {أَرَءَيْتَ الّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلّى أَرَءَيْتَ إِن كَانَ عَلَىَ الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتّقْوَى أَرَءَيْتَ إِن كَذّبَ وَتَوَلّى أَلَمْ يَعْلَم بِأَنّ اللّهَ يَرَى كَلاّ لَئِن لّمْ يَنتَهِ لَنَسْفْعًا بِالنّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [3] .

إن العبد المصلي هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأما الناهي فهو أبو جهل كما قيل في سبب النزول [4] ، غير أن السبب وإن كان خاصًّا، فإنه يفيد في مثل هذا السياق عموما أخذًا بالقاعدة العامة من أن خصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ [5] . فيشمل بذلك كل من ينهى مؤمنًا من المؤمنين إذا صلى. وهذه إحدى خصائص التعبير القرآني وأساليبه التعبيرية، وما تؤول إليه في مواضع من دلالة لا تقف عند حدِّ الخطاب وما يدلُّ عليه ظاهره، بل تتجاوزه إلى (فحواه) وما يشعر به ثاني معناه. وقد شنَّع تعالى في هذا السياق على الناهي ووبَّخهُ، وتهكَّمَ به وكذَّبَهُ [6] ؛ وذلك بتكرار التعبير {أرءَيت} ؟ ثم ردعه بعد ذلك، بحرف الردع (كلا) ؛ إذ هو: (( ردع لأبي جهل وخسوء له عن نهيه عن عبادة الله تعالى ) ) [7] . فليس الأمر على ما قدَّر وتوهَّمَ من أن يتهيأ له أن يمنعهُ من الصلاة [8] . وقيل: إن (كَلاّ) هنا معناه: (( لا يعلمون ذلك ) ) [9] ؛ إذ جُعِلَ (كَلاّ) ردًّا لما ورد في السياق السابق المباشر لها. والأول - فيما يبدو- أرجح، لدلالة قوله تعالى: {لَئِن لّمْ يَنتهِ} عليه، أي (( لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر ) ) [10] {لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ} .

فالردع جاء عامًّا لما ورد قبل (كَلاَّ) مما ورد في السياق.

(1) الكشاف 4/ 160.

(2) الكشاف 4/ 271، روح المعاني 30/ 183.

(3) سورة العلق /9 - 16.

(4) أسباب النزول، الواحدي /303، ومجمع البيان 10/ 515، وصفوة البيان /815.

(5) مباحث في علوم القرآن د. صبحي الصالح /158 - 159: ومناهل العرفان 1/ 118.

(6) روح المعاني 30/ 184،186.

(7) الكشاف 4/ 271.

(8) إعراب القرآن النحاس 5/ 263.

(9) مجمع البيان 10/ 515.

(10) روح المعاني 30/ 186، وصفوة البيان /816.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت