فأغلظ سبحانه لهم في الزجر وطردهم وأبعدهم (( بُعْدَ الكلب في النار. وهذه اللفظة زجر للكلاب، وإذا قيل ذلك للإنسان يكون للإهانة المستحقة للعقوبة ) ) [1] . ويلحظ أن التعبير الجوابي الزاجر قد شدد في الزجر بقوله: {وَلا تُكَلِمُونِ} ، أي (( لا تعودوا إلى سؤالكم هذا فإنه لا جواب لكم عندي ) ) [2] ، وهو تعبير على إيجازه، فيه (( مبالغة للإذلال والإهانة، وإظهار الغضب عليهم؛ لأن من لا يكلم إهانة له، فقد بلغ الغاية في الإذلال ... وهي على صيغة النهي، وليست بنهي؛ لأن الأمر والنهي مرتفعان في الآخرة، لارتفاع التكليف ) ) [3] فأولئك (( يزجرون زجرًا عنيفًا قاسيًا ) ) [4] .
وقد أردف هذا الجواب الإلهي الزاجر بتعبير مبين لسبب ذلك الزجر، وهي مواقفهم الدنيوية المشعرة بتعاليهم وغطرستهم وانغماسهم في الشهوات والدنايا، حتى نسوا ذكر ربهم فاتخذوا المؤمنين الصادقين سخرية وهُزءًا، فقال: {إِنّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبّنَآ ءَامَنّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ فَاتّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتّىَ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [5] .
ونحو هذا من جوابات الردع التي وردت بغير (كلا) ، بل جاءت بأسلوب طلبي دلَّ على الزجر والطرد والإهانة، قوله تعالى مخبرًا عن حال المنافقين من أهل النار، {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلّذِينَ ءَامَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [6] ، فهو طلب يراد به الالتماس من لدن الكافرين بقولهم: {أنْظُرُونَا} أي: انتظرونا [7] ، وقد يراد به النظر هنا وليس الانتظار، لأنهم طلبوا الاستضاءة بنور أهل الإيمان، وقد ورد الجواب متهكِّمًا [8] بهم، مخيِّبًا لالتماسهم، بالقول لهم: {ارْجِعُوا وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورًا} [9] . وهذا الجواب الذي ورد بصيغة
(1) مجمع البيان 7/ 119.
(2) تفسير القرآن العظيم 3/ 258.
(3) مجمع البيان 7/ 119 - 120.
(4) في ظلال القرآن 4/ 2481.
(5) سورة المؤمنون/109 - 110.
(6) سورة الحديد /13.
(7) معاني القرآن للأخفش 1/ 448. صفوة البيان /701.
(8) تفسير الجلالين /720.
(9) سورة الحديد /13.