ثم قال: إن شئت يا معاذ حدثتك برأس هذا الأمر وقوام هذه الأمر وذروة السنام؟ فقال معاذ: بلى يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وإن قوام هذا الأمر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وإن ذروة السنام منه الجهاد في سبيل الله [14] إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا وعصموا [15] دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.
وقال: والذي نفسي بيده ما شحب وجه ولا أغبرت قدم في عمل يبتغى به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله، ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق [16] في سبيل الله أو يحمل عليها في سبيل الله" [17] ."
فانظر إلى ما للجهاد من منزلة وأهمية حيث لا يرقي إليه إلا شريف النفس عالي الهمة. وكما أن الإسلام الذي يعبر عنه بالشهادتين هو بمثابة الرأس من الجسد، والصلاة والزكاة قوام هذا الدين، وبمثابة العمود من البيت، فإن الجهاد في سبيل الله بمثابة السنام، بل هو ذروة سنام الإسلام وأعلى قيمة فيه.
وانظر إلى حرص معاذ رضي الله عنه على معرفة العمل الذي يدخله الجنة، مما جعله يمرض ويتألم لذلك، وإلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك العمل بأسلوب مؤثر وبيان يأخذ بمجامع النفس، ولم يكتف بالرد على ذلك السؤال العظيم بل دله على ما يبوئه المنزلة العالية في الجنة، وبين له أن الجهاد بالنفس والمال يرفع درجات المؤمنين فيها.
وانظر إلى أولئك الذين رضوا بمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وتخلفوا عن الجهاد في سبيل الله، كيف يرتعون في الحضيض الممرغ بالوحل الذي وطئته الأقدام، ولم يرفعوا رؤوسهم عاليًا ليروا ما أنعم الله به على المجاهدين.